من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٠ - هكذا يتحدى الإيمان ثقافة الشرك
الفكرة هي التي دفعت بعض الناس لعبادة الشيطان حيث قالوا: إن الله رحيم بنا لأن طبيعته الخير، أما الشيطان فإن طبيعته الشر فعلينا عبادته.
ولكن إبراهيم بين أن الله لا يرضى بطاعة أحد من دون أن يأذن هو بذلك، ولن يأذن، وإلا فهو ينزل غضبه ولعنته على البشر، وإنه لو أرادت الآلهة أو الذين يطاعون من دون الله الفتك بالناس والتجأ الناس إلى الله- رب الآلهة والناس- لتخلصوا من شرورهم، إذن فالأمن الحقيقي لمن يخشى الله فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ.
مضار الشرك
[٨٢] وعاد إبراهيم وأضاف دليلًا جديداً على ضرورة التوحيد الخالص وهو: أن الشرك ظلم، بينما الخضوع لله هو العدل، وأن للظلم ضررين
الأول: الابتعاد عن الأمن.
الثاني: الابتعاد عن الهدى، بينما المؤمن الموحد يملك الأمن والهدى.
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ.
دعنا نتصور: مجتمعاً يسوده الطاغوت، ويخشى الطبيعة، ويقدم قرابينه لإله البحر وإله الحرب وإله الربيع، كما كان يفعل أهل مصر، ومجتمعاً تسوده حكومة عادلة، ويتحدى الطبيعة ويقهرها. أيهما سيكون المجتمع الآمن؟ هل الظلم الطاغوتي والخضوع للطبيعة يوفر الأمن، أم العدالة والحضارة (قهر الطبيعة وتسخيرها)؟! ثم إن التحرر من خوف الطاغوت وخوف الطبيعة يجعلنا نفكر بحريتنا، نبحث عن الحقيقة بكل أمان، ولا نخشى من الحقيقة، ولا تسودنا دعاية الطاغوت، ومخاوف الطبيعة لنقتحم كل أسوار الطبيعة، لنكتشفها ونسخرها، وآنئذ نحصل على الهداية. إن بداية كل علم هو الشعور بالأمن. لذلك جاء الهدى بعد الأمن في الآية الكريمة.
[٨٣] لقد حاج إبراهيم (عليه السلام) قومه فإنتصر عليهم، والسؤال هو من آتاه هذه الحجة؟ إنه الله، إذ أن إبراهيم (عليه السلام) كشخص إذا لم يكن نبياً يوحى إليه يعيش ضمن حدود المجتمع، وتقهره الطبيعة لابد أن يتقولب حسب أفكار المجتمع وحتميات الطبيعة بنسبة ما، إلا أن الله سبحانه يرسل رسالته على الإنسان لكي ينقذه من الحتميات الاجتماعية والطبيعية التي تحيط به. وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ولحكمته ولعلمه لا يرفع كل شخص إلى رفيع الدرجات عبثاً، إنما يرفع من يكون مؤهلًا لذلك بجده واجتهاده، وبحثه عن الحقيقة، وعدم خوفه من الحتميات الباطلة.