من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٦ - الإطار العام معرفة الله
فعليك- أيها الإنسان- أن تنظر إلى السماوات، ولا تجلس في غرفة مظلمة تبحث عن الله، ولكن إياك أن تنظر إلى السماوات كأنها أشياء ثابتة جامدة جاهلة. كلا؛ بل باعتبارها حقائق تسبح بحمد الله خالقها، وتسجد لهيمنة ربها.
لماذا اسم الأنعام؟
إن سورة الأنعام هي مثل كل سور القرآن التي تشع بنور التوحيد، وتنساب في ضمير الإنسان بضياء الإيمان بالله، ولكنها لم تُسم باسم مجرد. فلم يكن اسمها مثلًا؛ سورة الحي القيوم، أو سورة الصمد الأحد، أو سورة القدوس الأعلى، أو سورة الحمد والتسبيح .. كلا؛ بل سميت بسورة الأنعام.
الأنعام التي يضرب الله بها مثل الغباء، ويعتقد الإنسان أنها لا تعني شيئاً في حقل الإيمان والعرفان، مع ذلك سمى الله هذه السورة باسم الأنعام ليجعلنا نغير نظرتنا إلى الأنعام، ونعرف أنها نعمة من نعم الله، وأنها بالتالي تهدينا إلى الله من جهة، وتفرض علينا من جهة مسؤولية معينة، وهي تلك المسؤولية التي يشعر بها المؤمن أمام ربه، وبذلك يخرج المادة (وهنا الأنعام مثل لها) من النظر إليها بنظرة الشيئية دون الالتفات إلى دور المادة في تكامل الروح والعلم والقيم، كما يخرج بذلك أيضاً الروح والعلم والقيم والإيمان من عالم التجريد والمثالية إلى عالم الحقيقة.
جاءت (الآيات: ١- ١١) تحقيقاً للهدف العام لسورة الأنعام الذي هو تنمية روح الإيمان بالله في النفوس وجعله مصباحاً يهدي الإنسان في ظلمات الحياة .. لتفضح الدافع الأساسي لتكذيب الآيات والرسالات، لعل الإنسان يتذكر بنفس ه ويحاول تطهيرها من شر هذا الدافع الذي هو الاستهزاء بالحق والإعراض عن آياته، ويعرف أن العلاج الوحيد للمعرضين هو أن يتذكروا مصير المكذبين عبر السير في الأرض.
أما (الآيات: ١٢- ١٦) فتؤكد لنا أن أبسط فكرة تقفز إلى ذهن الإنسان حين يلقي نظرة إلى السماوات والأرض هي أنهما مسيّرتان وليستا مختارتين. فإذن هما مملوكتان لله تعالى، الأمر الذي يفتح أمامه آفاقاً جديدة من العلم الذي سينتج عنه الإيمان.
ولما كانت أزمّة الكون بيد الله تعالى، فعلى ابن آدم أن يعلم بأن الله إذا مسّه بضر فلا كاشف له، وبالتالي فإنه سبحانه هو الركن الشديد الذي ينبغي أن يُتوجه إليه دون غيره (الآيات: ١٧- ١٩).