المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٧٧ - المقصد الثانى الفصل الأول فى ذكر أسمائه الشريفة المنبئة عن كمال صفاته المنيفة
الدعوة إليه، و قال تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [١]، و قال:
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ [٢] و لو كان له اسم أشرف منه لسماه به فى تلك الحالات العلية.
و لما رفعه اللّه تعالى إلى حضرته السنية، و رقاه إلى أعلى المعالى العلوية، ألزمه- تشريفا له- اسم العبودية، و قد كان- صلى اللّه عليه و سلم- يجلس للأكل جلوس العبد، و كان يتخلى عن وجوه الترفعات كلها فى ملبسه و مأكله و مبيته و مسكنه إظهارا لظاهر العبودية فيما يناله العيان، صدقا عما فى باطنه من تحقيق العبودية لربه تحقيقا لمعنى وَ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ [٣].
و لما خير بين أن يكون نبيّا ملكا، أو نبيّا عبدا، اختار أن يكون نبيّا عبدا، فاختار ما هو الأتم، و كان- صلى اللّه عليه و سلم- يقول كما فى الصحيح: «لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى، و لكن قولوا عبد اللّه و رسوله» [٤] فاستثبت ما هو ثابت له، و أسلم للّه ما هو له لا لسواه، و ليس للعبد إلا اسم العبد، و لذا كان «عبد اللّه» أحب الأسماء إلى اللّه تعالى.
[١] سورة الإسراء: ١.
[٢] سورة النجم: ١٠.
[٣] سورة الزمر: ٣٣.
[٤] صحيح: أخرجه البخاري (٣٤٤٥) فى أحاديث الأنبياء، باب: وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها، من حديث عمر- رضى اللّه عنه-.