المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٠١ - غزوة مؤتة
و هذا فيه إشارة إلى أن صفة النبوة يستحيل معها الكذب، فكأنه قال:
أنا النبيّ، و النبيّ لا يكذب، فلست بكاذب فيما أقول حتى أنهزم، بل أنا متيقن أن الذي وعدنى اللّه به من النصر حق، فلا يجوز علىّ الفرار.
و أما ما فى مسلم عن سلمة بن الأكوع من قوله: «فأرجع منهزما» إلى قوله: «مررت على رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- منهزما» فقال: «لقد رأى ابن الأكوع فزعا» [١] فقال العلماء: قوله منهزما حال من ابن الأكوع- لا من رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- كما صرح أولا بانهزامه، و لم يرد أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- انهزم، و قد قالت الصحابة كلهم: إنه٧ ما انهزم و لم ينقل أحد قط أنه انهزم فى موطن من المواطن. و قد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لا يجوز أن يعتقد انهزامه- صلى اللّه عليه و سلم-، و لا يجوز ذلك عليه، بل كان العباس و أبو سفيان بن الحارث آخذين ببغلته يكفانها عن إسراع التقدم إلى العدو.
و قد تقدم فى غزوة أحد ما نسب لابن المرابط، من المالكية، مما حكاه القاضى عياض فى الشفاء: أن من قال إن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- هزم يستتاب، فإن تاب و إلا قتل، و أن العلامة البساطى تعقبه بما لفظه: هذا القائل إن كان يخالف فى أصل المسألة يعنى: حكم الساب، فله وجه، و إن وافق على أن الساب لا تقبل توبته فمشكل. انتهى.
قال بعضهم: و قد كان ركوبه- صلى اللّه عليه و سلم- البغلة فى هذا المحل الذي هو موضع الحرب و الطعن و الضرب تحقيقا لنبوته، لما كان اللّه تعالى خصه به من مزيد الشجاعة و تمام النبوة، و إلا فالبغال عادة من مراكب الطمأنينة، و لا يصلح لمواطن الحرب فى العادة إلا الخيل فبين- صلى اللّه عليه و سلم- أن الحرب عنده كالسلم قوة قلب و شجاعة نفس و ثقة و توكلا على اللّه تعالى، و قد ركبت الملائكة فى الحرب معه- صلى اللّه عليه و سلم- على الخيل لا غير لأنها بصدد ذلك عرفا دون غيرها من المركوبات، و لهذا لا يسهم فى الحرب إلا للخيل، و السر فى ذلك أنها المخلوقة للكر و الفر بخلاف البغال و الإبل. انتهى.
[١] صحيح: أخرجه مسلم (١٧٧٧) فى «الجهاد و السير»، باب: فى غزوة حنين.