المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٣٣ - صلح الحديبية
و الخمر فى الأصل مصدر خمره: إذا ستره، سمى به عصير العنب إذا اشتد و غلا كأنه يخمر العقل، كما يسمى مسكرا لأنه يسكره، أى يحجره.
و هى حرام مطلقا، و كذا كل ما أسكر عند أكثر العلماء. و قال أبو حنيفة: نقيع الزبيب و التمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ثم اشتد حل شربه ما دون السكر انتهى.
و أما الحشيشة و تسمى القنب الهندى و الحيدرية و القلندرية فلم يتكلم فيها الأئمة الأربعة و لا غيرهم من علماء السلف، لأنها لم تكن فى زمنهم، و إنما ظهرت فى أواخر المائة السادسة و أول السابعة.
و اختلف هل هى مسكرة فيجب فيها الحد، أو مفسدة للعقل فيجب التعزير، و الذي أجمع عليه الأطباء أنها مسكرة، و به جزم الفقهاء و صرح به الشيخ أبو إسحاق الشيرازى فى كتاب التذكرة فى الخلاف، و النووى فى شرح المهذب، و لا نعرف فيه خلافا عندنا.
و نقل عن ابن تيمية أنه قال: الصحيح أنها مسكرة كالشراب، فإن أكلتها ينشون عنها و لذلك يتناولونها بخلاف البنج و غيره فإنه لا ينشى و لا يشتهى.
قال الزركشى: و لم أر من خالف فى هذا إلا القرافى فى قواعده فقال:
نص العلماء بالنبات فى كتبهم أنها مسكرة، و الذي يظهر لى أنها مفسدة. فى كلام تعقبه الزركشى يطول ذكره.
و قد تضافرت الأدلة على حرمتها: ففى صحيح مسلم «كل مسكر حرام» [١] و قد قال تعالى: وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [٢]. و أى خبيث أعظم مما يفسد العقول التي اتفقت الملل و الشرائع على إيجاب حفظها. و لا ريب أن متناول الحشيشة يظهر به أثر التغير فى انتظام الفعل و القول المستمد كماله من
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٦١٢٤) فى الأدب، باب: قول النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «يسروا و لا تعسروا»، و مسلم (١٧٣٣) فى الأشربة، باب: بيان أن كل مسكر خمر، و أن كل خمر حرام، من حديث أبى موسى الأشعرى- رضى اللّه عنه-.
[٢] سورة الأعراف: ١٥٧.