المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٢ - ترجمة المؤلف
لعزائم المهتدين، و لم أكن- و اللّه- أهلا لذلك، و لم أر نفسى فيما هنالك، لصعوبة هذا المسلك، و مشقة السير فى طريق لم يكن لمثلى يسلك، و إنما هو نكتة سر قراءتى كتاب الشفاء [١] بحضرة التخصيص و الاصطفاء، فى مكتب التأديب و التعليم فى مشهد مشاهد المؤانسة و التكريم، مستجليا فى مجالى تجليات الأنوار الأحمدية، محاسن صفات خلقته، و عظيم أخلاقه الزكية، ساريا بسر سيرته فى منهاج ملته إلى سماء هديه الأسنى، راتعا فى رياض روضة سنته النزيهة الحسنا، مستمدا من فتح البارى [٢]، فيض فضله السارى، فمنحنى صاحب هذه المنح من مصون حقائقه، و أبرز لى مما أكنّه من مكنون رقائقه، فانفتحت بالفتح المحمدى عين بصيرة الاستبصار و تنزه الناظر فى رياض ارتياض رقائق الأسرار، فاستجليت من أبكار مخدرات السنة النبوية من كل صورة معناها، و اقتبست من تلألؤ مصباح مشكاة المعارف من كل بارقة أضواها، و انتشقت من كل عبقة صوفية شذاها، و اجتنيت من أفنان لطائف تأويل آى الكتاب العزيز من كل ثمرة مشتهاها، و لا زلت فى جنات لطائف هذه المنح أغدو و أروح، فى غبوق و صبوح، حتى انهلت غمائم المعانى على أرض رياض المبانى، فأينعت أزهارها، و تكللت بنفائس جواهر العلوم أوراقها، و طابت لمجتنى رقائق الحقائق ثمارها، و تدفقت حياض بدائع ألفاظها، بزلال جوامع كلماتها، و خطب خطيب قلوب أبناء الهوى، على منبر الغرام الأقدس، يدعو لكمال محاسن الحبيب الأرأس، فترنحت بسلاف راح الارتياح نفائس الأرواح، و تمايلت بمطربات ألحان الحنين إلى جمال المحبوب كرائم الأشباح، و زمزم مزمزم الصفا، بحضرة خلاصة أولى الوفا، منشدا مرددا:
حضر الحبيب و غاب عنه رقيبه * * * حسبى نعيم زال عنه حسيبه
داوى فؤادى الوصل من أدوائه [٣] * * * طوبى لقلبى و الحبيب طبيبه
[١] هو: كتاب «الشفاء فى حقوق المصطفى» للقاضى عياض.
[٢] يشير إلى كتاب «فتح البارى» للحافظ ابن حجر، و هو كتاب مشهور.
[٣] أدواء: جمع داء، بخلاف أدوية جمع دواء.