المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٢٤ - مغازيه و سراياه و بعوثه- صلى اللّه عليه و سلم
قال: و قد روى عن عائشة أنها احتجت بقوله تعالى: وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [١]. و هذه الآية كقوله تعالى: أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ [٢]. أى إن اللّه هو الذي يهدى و يوفق و يوصل الموعظة إلى آذان القلوب لا أنت. و جعل الكفار أمواتا و صمّا على جهة التشبيه بالأموات و بالصم، فاللّه هو الذي يسمعهم على الحقيقة إذا شاء، لا نبيه و لا أحد، فإذا لا تعلق بالآية من وجهين:
أحدهما: أنها إنما نزلت فى دعاء الكفار إلى الإيمان.
الثانى: أنه إنما نفى عن نبيه أن يكون هو المسمع لهم، و صدق اللّه فإنه لا يسمعهم إذا شاء إلا هو، يفعل ما يشاء و هو على كل شيء قدير. انتهى و لقد أحسن العلامة ابن جابر حيث قال:
بدا يوم بدر و هو كالبدر حوله * * * كواكب فى أفق الكواكب تنجلى
و جبريل فى جند الملائك دونه * * * فلم تغن أعداد العدو المخذل
رمى بالحصى فى أوجه القوم رمية * * * فشردهم مثل النعام المجفل
و جاد لهم بالمشرفى فسلموا * * * فجاد له بالنفس كل مجندل
عبيدة سل عنهم و حمزة و استمع * * * حديثهم فى ذلك اليوم من على
فهم عتبوا بالسيف عتبة إذ غدا * * * فذاق الوليد الموت ليس له ولى
و شيبة لما شاب خوفا تبادرت * * * إليه العوالى بالخضاب المعجل
و جال أبو جهل فحقق جهله * * * غداة تردى بالردى عن تذلل
فأضحى قليبا فى القليب و قومه * * * يؤمونه فيها إلى شر منهل
و جاء لهم خير الأنام موبخا * * * ففتح من أسماعهم كل مقفل
و أخبر ما أنتم بأسمع منهم * * * و لكنهم لا يهتدون لمقول
سلا عنهم يوم السلا إذ تضاحكوا * * * فعاد بكاء عاجلا لم يؤجل
أ لم يعلموا علم اليقين بصدقه * * * و لكنهم لا يرجعون لمعقل
[١] سورة فاطر: ٢٢، ٢٣.
[٢] سورة الزخرف: ٤٠.