المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٤٤ - فصل فى ترتيب الدعوة النبوية
و عن مجاهد مثله، و زاد فى قصة بلال: و جعلوا فى عنقه حبلا و دفعوه إلى الصبيان يلعبون به حتى أثر الحبل فى عنقه.
فانظر كيف فعل ببلال ما فعل من الإكراه على الكفر، و هو يقول أحد أحد، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، و هذا كما وقع له أيضا عند موته، كانت امرأته تقول: وا حزناه و هو يقول: وا طرباه. غدا ألقى الأحبة محمدا و صحبه، فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء. و للّه در أبى محمد الشقراطسى حيث قال:
لاقى بلال بلاء من أمية قد * * * أحله الصبر فيه أكرم النزل
إذ أجهدوه بضنك الأسر و هو على * * * شدائد الأزل ثبت الأزر لم يزل
ألقوه بطحا برمضاء البطاح و قد * * * عالوا عليه صخور جمة الثقل
فوحد اللّه إخلاصا و قد ظهرت * * * بظهره كندوب الطل فى الطلل
إن قدّ ظهر ولى اللّه من دبر * * * قد قدّ قلب عدو اللّه من قبل
يعنى إن كان ظهر ولى اللّه بلال قد ظهر فيه التعذيب بقده، فقد جوزى عدو اللّه أمية و قد قلبه ببدر، لأنه قتل يومئذ، و كان عبد الرحمن بن عوف قد أسره يومئذ و أراد استبقاءه لأخوة كانت بينهما فى الجاهلية، فرآه بلال معه فصاح بأعلى صوته يا أنصار اللّه رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا فنهشوه بأسيافهم حتى قتلوه.
و أخرج البيهقي عن عروة أن أبا بكر أعتق ممن كان يعذب فى اللّه سبعة منهم، الزنيرة، فذهب بصرها، و كانت ممن تعذب فى اللّه، فتأبى إلا الإسلام، فقال المشركون:
ما أصاب بصرها إلا اللات و العزى، فقالت: كلا و اللّه ما هو كذلك فرد اللّه عليها بصرها.
و الزنيرة: بكسر الزاى و تشديد النون المكسورة. كسكينة: كذا فى القاموس.