المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٤١ - فصل فى ترتيب الدعوة النبوية
قال الحافظ ابن كثير: و هذا يقتضى- فيما يظهر من بادئ الرأى- أن هذه الآية مدنية، و أنها إنما نزلت حين سألت اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة [الإسراء] كلها مكية.
و قد يجاب عن هذا: بأنه قد تكون نزلت عليه مرة ثانية بالمدينة، كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك. و مما يدل على نزولها بمكة ما رواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس قال: قالت قريش لليهود أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت الحديث [١]. انتهى.
و هذا الحديث رواه الترمذى أيضا بإسناد رجاله رجال مسلم.
فيحمل على تعدد النزول كما أشار إليه ابن كثير، و يحمل سكوته فى المرة الثانية على توقع مزيد بيان فى ذلك.
و قد اختلف فى المراد بالروح المسئول عنه فى هذا الخبر:
فقيل: روح الإنسان.
و قيل: جبريل.
و قيل: عيسى.
و قيل: ملك يقوم وحده صفّا يوم القيامة.
و قيل: غير ذلك.
و قال القرطبى: الراجح أنهم سألوه عن روح الإنسان لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح اللّه، و لا تجهل أن جبريل ملك، و أن الملائكة أرواح.
و قال الإمام فخر الدين: المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة، و أن الجواب وقع على أحسن الوجوه و بيانه: أن السؤال عن الروح يحتمل عن ماهيته، و هل هى متحيزة أم لا؟ و هل هى حالة فى متحيز أم لا؟
[١] صحيح: أخرجه الترمذى (٣١٤٠) فى التفسير، باب: و من سورة بنى إسرائيل (الإسراء)، و أحمد فى «مسنده» (١/ ٢٥٥)، و ابن حبان فى «صحيحه» (٩٩)، و الحاكم فى «المستدرك» (٢/ ٥٧٩)، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى».