المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٩٢ - ذكر رضاعه- صلى اللّه عليه و سلم
و يقلن النساء لى و هن ورائى: يا بنت أبى ذؤيب أ هذه أتانك التي كنت عليها و أنت جائية معنا تخفضك طورا و ترفعك أخرى؟ فأقول: تاللّه إنها هى فيتعجبن منها و يقلن إن لها لشأنا عظيما. قالت: فكنت أسمع أتانى تنطق و تقول و اللّه إن لى لشأنا ثم شأنا بعثنى اللّه بعد موتى ورد لى سمنى بعد هزالى، ويحكن يا نساء بنى سعد إنكن لفى غفلة و هل تدرين من على ظهرى، على ظهرى خيار النبيين و سيد المرسلين و خير الأولين و الآخرين و حبيب رب العالمين.
قالت حليمة- فيما ذكره ابن إسحاق و غيره-: ثم قدمنا منازل بنى سعد، و لا أعلم أرضا من أرض اللّه أجدب- بالدال المهملة- منها، فكانت غنمى تروح على حين قدمنا به شباعا لبنا، فنحلب و نشرب، و ما يحلب إنسان قطرة لبن و لا يجدها فى ضرع، حتى كان الحاضر من قومنا يقولون لرعاتهم: اسرحوا حيث يسرح راعى غنم بنت أبى ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، و تروح أغنامى شباعا لبنا [١].
فللّه درها من بركة كثرت بها مواشى حليمة و نمت و ارتفع قدرها به و سمت و لم تزل حليمة تتعرف الخير و السعادة و تفوز منه بالحسنى و زيادة.
لقد بلغت بالهاشمى حليمة * * * مقاما علا فى ذروة العز و المجد
و زادت مواشيها و أخصب ربعها * * * و قد عم هذا السعد كل بنى سعد
قال ابن الطراح رأيت فى كتاب الترقيص لأبى عبد اللّه محمد بن المعلى الأزدى أن من شعر حليمة ما كانت ترقص به النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-:
يا رب إذ أعطيته فأبقه * * * و أعله إلى العلا و أرقه
و أدحض أباطيل العدا بحقه
و عند غيره كانت الشيماء أخته من الرضاعة تحضنه و ترقصه و تقول:
هذا أخ لم تلده أمى * * * و ليس من نسل أبى و عمى
فديته من مخول معمى * * * فأنمه اللهم فيما تنمى
[١] أخرجه البيهقي فى «دلائل النبوة» (١/ ١٣٣- ١٣٤).