المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٧٦ - الفصل العاشر فى ذكر من وفد عليه- صلى اللّه عليه و سلم- و زاده فضلا و شرفا لديه
و أخرج البيهقي: بينما النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- يحدث أصحابه قال: «سيطلع عليكم من هاهنا ركب هم خير أهل المشرق» فقام عمر نحوهم، فلقى ثلاثة عشر راكبا، فبشرهم بقوله- صلى اللّه عليه و سلم- ثم مشى معهم حتى أتى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، فرموا بأنفسهم عن ركائبهم، فأخذوا يده فقبلوها [١] الحديث و أخرجه البخاري فى الأدب المفرد. فيمكن أن يكون أحد المذكورين غير راكب أو مرتدفا.
و ثانيهما: كانت فى سنة الوفود و كان عددهم حينئذ أربعين رجلا، كما فى حديث أبى خيرة الصباحى عند ابن منده.
و يؤيد التعدد: ما أخرجه من وجه آخر أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال لهم: «ما لى أرى ألوانكم تغيرت» [٢] ففيه إشعار بأنه كان رآهم قبل التغير، و فى قولهم:
يا رسول اللّه، دليل على أنهم كانوا حين المقالة مسلمين، و كذا فى قولهم كفار مضر، و قولهم: اللّه و رسوله أعلم.
و يدل على سبقهم إلى الإسلام أيضا، ما فى البخاري: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة فى مسجد رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فى مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين و هى قرية لهم [٣]، و إنما جمّعوا بعد رجوع وفدهم إليهم، و قال فى فتح البارى: فدل على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام.
و ما جزم به ابن القيم من أن السبب فى كونه لم يذكر الحج فى الحديث، لأنه لم يكن فرض، هو المعتمد. و قدمت الدليل على قدم إسلامهم، لكن جزمه تبعا للواقدى بأن قدومهم كان فى سنة تسع قبل فتح مكة ليس بجيد، لأن فرض الحج كان سنة ست على الأصح، لكنه اختار كغيره- أن فرض الحج فى السنة العاشرة، حتى لا يرد على مذهبه أنه على الفور شيء.
و قد احتج الشافعى لكونه على التراخى بأن فرض الحج كان بعد
[١] أخرجه البيهقي فى «دلائل النبوة» (٥/ ٣٢٧).
[٢] ذكره الحافظ ابن حجر فى «الفتح» (٨/ ٨٦).
[٣] انظر «صحيح البخاري» (٨٩٢) فى الجمعة، باب: الجمعة فى القرى و المدن.