المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٦٩ - غزوة مؤتة
ثم فتح مكة زادها اللّه شرفا. و هو كما قال فى زاد المعاد:
«الفتح الأعظم، الذي أعز اللّه به دينه و رسوله و جنده و حرمه الأمين، و استنقذ به بلده و بيته الذي جعله هدى للعاملين من أيدى الكفار و المشركين، و هو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، و ضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء، و دخل الناس فى دين اللّه أفواجا، و أشرق به وجه الأرض ضياء و ابتهاجا» [١].
خرج له- صلى اللّه عليه و سلم- بكتائب الإسلام و جنود الرحمن لنقض قريش العهد الذي وقع بالحديبية. فإنه كان قد وقع الشرط: أنه من أحب أن يدخل فى عقد رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و عهده فعل، و من أحب أن يدخل فى عقد قريش و عهدهم فعل. فدخلت بنو بكر فى عقد قريش و عهدهم، و دخلت خزاعة فى عقد رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و عهده.
و كان بين بنى بكر و خزاعة حروب و قتلى فى الجاهلية، فتشاغلوا عن ذلك لما ظهر الإسلام، فلما كانت الهدنة خرج نوفل بن معاوية الديلى من بنى بكر فى بنى الديل حتى بيت خزاعة و هم على ماء لهم يقال له الوتير، فأصاب منهم رجلا يقال له منبه، و استيقظت لهم خزاعة فاقتتلوا إلى أن دخلوا الحرم و لم يتركوا القتال.
و أمدت قريش بنى بكر بالسلاح، و قاتل بعضهم معهم ليلا فى خفية.
و خرج عمرو بن سالم الخزاعى فى أربعين راكبا من خزاعة، فقدموا على رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يخبرونه بالذى أصابهم و يستنصرونه. فقام و هو يجر رداءه و هو يقول: «لا نصرت إن لم أنصركم بما أنصر منه نفسى» [٢].
و فى المعجم الصغير للطبرانى، من حديث ميمونة أنها سمعته- صلى اللّه عليه و سلم-
[١] قاله ابن القيم فى «الهدى» (٣/ ٣٩٤).
[٢] ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٦/ ١٦١- ١٦٢) بنحوه عن عائشة و قال: رواه أبو يعلى عن حزام بن هشام بن حبيش عن أبيه عنها، و قد وثقهما ابن حبان، و بقية رجاله رجال الصحيح.