المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٢٩ - صلح الحديبية
بلى، قلت: ألسنا على الحق و عدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطى الدنية فى ديننا إذا؟ قال: أيها الرجل، إنه رسول اللّه، و ليس يعصى ربه و هو ناصره، فاستمسك بغرزه، فو اللّه إنه على الحق. قلت: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتى البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أ فأخبرك أنك تأتيه العام؟
قلت: لا، قال: فإنك آتيه و مطوف به) [١].
قال العلماء: لم يكن سؤال عمر- رضى اللّه عنه- و كلامه المذكور شكّا، بل طلبا لكشف ما خفى عليه، و حثّا على إذلال الكفار، و ظهور الإسلام، كما عرف فى خلقه و قوته فى نصرة الدين، و إذلال المبطلين.
و أما جواب أبى بكر لعمر- رضى اللّه عنهما- بمثل جواب النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فهو من الدلائل الظاهرة على عظم فضله و بارع علمه، و زيادة عرفانه و رسوخه، و زيادته فى ذلك على غيره.
و كان الصلح بينهم عشر سنين، كما فى السير، و أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر.
و لأبى نعيم فى مسند عبيد اللّه بن دينار كانت أربع سنين. و كذا أخرجه الحاكم فى البيوع من المستدرك. و الأول أشهر.
و كان الصلح على وضع الحرب، بحيث يأمن الناس فيها، و يكف بعضهم عن بعض، و أن لا يدخل البيت إلا العام القابل ثلاثة أيام، و لا يدخلوها إلا بجلبان السلاح، و هو القراب بما فيه. و الجلبان- بضم الجيم و سكون اللام- شبه الجراب من الأدم، يوضع فيه السيف مغمودا. و رواه القتيبى: بضم الجيم و اللام و تشديد الباء، و قال: هو أوعية السلاح بما فيها.
و فى بعض الروايات: لا يدخلها إلا بجلبان السلاح: السيف و القوس.
و إنما اشترطوا ذلك ليكون علما و أمارة للسلم، إذ كان دخولهم صلحا.
و قال مكى بن أبى طالب القيروانى فى تفسيره:
[١] قلت: هو طرف من حديث البخاري المتقدم قبل قليل.