المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٢٨ - صلح الحديبية
و الوجه الثانى: إنما رده لأبيه، و الغالب أن أباه لا يبلغ به إلى الهلاك.
و إن عذبه أو سجنه فله مندوحة بالتقية أيضا.
و أما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان من اللّه تعالى يبتلى به صبر عبادة المؤمنين.
و اختلف العلماء: هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلما من عندهم، أم لا؟.
فقيل: نعم، على ما دلت عليه قصة أبى جندل و أبى بصير.
و قيل: لا، و إن الذي وقع فى القصة منسوخ. و إن ناسخه حديث «أنا برىء من مسلم بين مشركين» [١] و هو قول الحنفية.
و عند الشافعية: تفصيل بين العاقل و المجنون و الصبى، فلا يردان. و قال بعض الشافعية: ضابط جواز الرد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب. و اللّه أعلم. قاله فى فتح البارى.
قال فى رواية البخاري: (فقال عمر بن الخطاب: فأتيت النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فقلت: أ لست نبى اللّه حقّا؟ قال: «بلى»، قلت: ألسنا على الحق و عدونا على الباطل؟ قال: «بلى»، قلت: فلم نعطى الدنية فى ديننا إذا؟ قال: «إنى رسول اللّه و لست أعصيه، و هو ناصرى». قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتى البيت فنطوف به؟ قال: «بلى»، «أ فأخبرتك أنا نأتيه العام؟» قلت:
لا، قال: «فإنك آتيه و مطوف به».
قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أ ليس هذا نبى اللّه حقّا؟ قال:
[١] صحيح: أخرجه أبو داود (٢٦٤٥) فى الجهاد، باب: النهي عن قتل من اعتصم بالسجود، و الترمذى (١٦٠٤) فى السير، باب: ما جاء فى كراهية المقام بين أظهر المشركين، من حديث جرير بن عبد اللّه- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود».