المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٢٣ - صلح الحديبية
يفهم من النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- تحتم محو علىّ نفسه، و لهذا لم ينكر عليه، و لو حتم محوه لنفسه لم يجز لعلى تركه انتهى.
ثم قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «أرنى مكانها» فأراه مكانها فمحاها و كتب: ابن عبد اللّه.
و فى رواية البخاري- فى المغازى- فأخذ رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- الكتاب و ليس يحسن يكتب- فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللّه [١].
و كذا أخرجه النسائى و أحمد و لفظه: فأخذ الكتاب- و ليس يحسن أن يكتب- فكتب مكان رسول اللّه: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللّه.
قال فى فتح البارى: و قد تمسك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجى.
فادعى أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن أن يكتب.
فشنع عليه علماء الأندلس فى زمانه و رموه بالزندقة، و أن الذي قاله يخالف القرآن حتى قال قائلهم:
برئت ممن شرى دنيا بآخرة * * * و قال إن رسول اللّه قد كتبا
فجمعهم الأمير فاستظهر الباجى عليهم بما لديه من المعرفة و قال الأمير:
فهذا لا ينافى القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن، لأنه قيد النفى بما قبل ورود القرآن، قال تعالى: وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [٢] و بعد أن تحققت أميته و تقررت بذلك معجزته، و أمن الارتياب فى ذلك، لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم، فيكون معجزة أخرى.
و ذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجى على ذلك، منهم شيخه أبو ذر الهروى و أبو الفتح النيسابوريّ و آخرون من علماء إفريقية.
و احتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبى شيبة و عمر بن شبة من طريق
[١] صحيح: و هى رواية البخاري (٢٦٩٩) فيما تقدم.
[٢] سورة العنكبوت: ٤٨.