المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٢٠ - مغازيه و سراياه و بعوثه- صلى اللّه عليه و سلم
فقلت: ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبى- صلى اللّه عليه و سلم- و أصحابه، و تكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش، رعاية لصور الأسباب و سنتها التي أجراها اللّه تعالى فى عباده، و اللّه فاعل الجميع انتهى.
و لما التقى الجمعان، تناول رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- كفّا من الحصباء، فرمى به فى وجوههم و قال: «شاهت الوجوه». فلم يبق مشرك إلا دخل فى عينيه و منخريه منها شيء فانهزموا و قتل اللّه من قتل من صناديد قريش، و أسر من أسر من أشرافهم.
و قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فى قوله تعالى: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى [١]. قال: هذا يوم بدر، أخذ- صلى اللّه عليه و سلم- ثلاث حصيات، فرمى بحصاة فى ميمنة القوم و بحصاة فى ميسرة القوم، و بحصاة بين أظهرهم، و قال: «شاهدت الوجوه» فانهزموا [٢].
و قد روى عن غير واحد: أن هذه الآية نزلت فى رميه- صلى اللّه عليه و سلم- يوم بدر، و إن كان فعل ذلك يوم حنين أيضا كما سيأتى- إن شاء اللّه تعالى-.
و قد اعتقد جماعة: أن المراد بالآية سلب فعل الرسول عنه، و إضافته إلى الرب تعالى: و جعلوا ذلك أصلا فى الجبر، و إبطال نسبة الأفعال إلى العباد، و تحقيق نسبتها إلى الرب وحده.
و هذا غلط منهم فى فهم القرآن، و لو صح ذلك لوجب طرده، فيقال:
ما صليت إذ صليت، و لا صمت إذ صمت، و لا فعلت كذا إذ فعلت و لكن اللّه فعل ذلك، فإن طردوا ذلك لزمهم فى أفعال العباد طاعتهم و معاصيهم إذ لا فرق، و إن خصوه بالرسول وحده و أفعاله جميعها، أو برميه وحده ناقضوا. فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية.
[١] سورة الأنفال: ١٧.
[٢] ذكره الحافظ ابن كثير فى «تفسيره» (٢/ ٢٩٦) و قال: و قد روى فى هذه القصة عن عروة عن مجاهد و عكرمة و قتادة و غير واحد من الأئمة أنها نزلت فى رمية النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- يوم بدر، و إن كان قد دخل ذلك يوم حنين أيضا.