المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢١٠ - مغازيه و سراياه و بعوثه- صلى اللّه عليه و سلم
فلما سمع أبو سفيان بسيره٧، استأجر ضمضم بن عمرو الغفارى أن يأتى قريشا بمكة، فيستنفرهم و يخبرهم أن محمدا قد عرض لعيرهم فى أصحابه.
فنهضوا فى قريب من ألف و لم يتخلف أحد من أشراف قريش إلا أبا لهب، و بعث مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة.
و خرج رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فى أصحابه، حتى بلغ الروحاء، فأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عن عيرهم، فاستشار النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- الناس فى طلب العير، أو حرب النفير، و قال: «إن اللّه وعدكم إحدى الطائفتين: إما العير و إما قريش» و كانت العير أحب إليهم.
فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر فقال فأحسن.
ثم قام المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول اللّه امض لما أمرك اللّه فنحن معك، و اللّه لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون [١].
و لكن اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا برك الغماد- يعنى مدينة الحبشة- لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.
فقال له- صلى اللّه عليه و سلم-: «خيرا» و دعا له بخير. ثم قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «أيها الناس أشيروا على» و إنما يريد الأنصار. لأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول اللّه إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت فى ذمامنا، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا و أبناءنا و نساءنا. و كان- صلى اللّه عليه و سلم- يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، و أن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم. فلما قال ذلك- صلى اللّه عليه و سلم-:
قال له سعد بن معاذ: و اللّه لكأنك تريدنا يا رسول اللّه. قال: «أجل».
[١] إشارة إلى الآية (٢٤)، من سورة المائدة.