المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٧٧ - هجرته- صلى اللّه عليه و سلم
فحلب فيه ثجا و سقى القوم حتى رووا، ثم شرب آخرهم، ثم حلب فيه مرة أخرى علا بعد نهل، ثم غادره عندها و ذهبوا.
فقل ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد- قال السهيلى: لا يعرف اسمه، و قال العسكرى: أكثم بن أبى الجون، و يقال: ابن الجون- يسوق أعنزا عجافا، يتساوكن هزالا، مخهن قليل.
فلما رأى أبو معبد اللبن عجب و قال: ما هذا يا أم معبد؟ أنى لك هذا و الشاء عازب حيال، و لا حلوب فى البيت؟ فقالت: لا و اللّه، إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا و كذا. فقال: صفيه يا أم معبد.
فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة. مليح الوجه حسن الخلق، لم تعبه ثجلة و لم تزر به صعلة، و سيم قسيم، فى عينيه دعج، و فى أشفاره وطف، و فى صوته صحل، أحور أكحل، أزج أقرن، شديد سواد الشعر، فى عنقه سطع، و فى لحيته كثاثة، إذا صمت فعليه الوقار، و إذا تكلم سما و علاه البهاء، و كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، حلو المنطق، فصل لا نزر و لا هذر، أجهر الناس و أجمله من بعيد، و أحلاه و أحسنه من قريب، ربعة لا تشنؤه من طول، و لا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة و أحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، و إذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس و لا مفند.
فقال: هذا و اللّه صاحب قريش، لو رأيته لا تبعته [١].
قالت أسماء بنت أبى بكر: و لما خفى علينا أمر رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، أتانا نفر من قريش منهم أبو جهل بن هشام، فخرجت إليهم، فقال: أين أبوك؟ فقلت: و اللّه لا أدرى أين أبى، قالت: فرفع أبو جهل يده- و كان فاحشا خبيثا- فلطم خدى لطمة خرج منها قرطى، قالت: ثم انصرفوا.
و لما لم ندر أين توجه رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، أتى رجل من الجن يسمعون صوته و لا يرونه، و هو ينشد هذه الأبيات:
[١] أخرجه ابن سعد فى «طبقاته» (١/ ١٧٨).