المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٦٨ - هجرته- صلى اللّه عليه و سلم
ثم خرج- صلى اللّه عليه و سلم-، و قد أخذ اللّه على أبصارهم، فلم يره أحد منهم، و نثر على رءوسهم كلهم ترابا كان فى يده، و هو يتلو قوله تعالى: يس إلى قوله تعالى: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [١]. ثم انصرف٧ حيث أراد.
فأتاهم آت ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا:
محمدا، قال: قد خيبكم اللّه، قد و اللّه خرج محمد عليكم، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وضع على رأسه ترابا و انطلق لحاجته، أ فما ترون ما بكم؟ فوضع كل رجل يده على رأسه، فإذا عليه تراب.
و فى رواية أبى حاتم، مما صححه الحاكم من حديث ابن عباس: فما أصاب رجلا منهم حصاة إلا قتل يوم بدر كافرا.
و فى هذه نزل قوله تعالى: وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [٢] الآية.
ثم أذن اللّه تعالى لنبيه- صلى اللّه عليه و سلم- فى الهجرة. قال ابن عباس: بقوله تعالى: وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً [٣] [٤]. أخرجه الترمذى و صححه الحاكم.
فإن قلت ما الحكمة فى هجرته- صلى اللّه عليه و سلم- إلى المدينة و إقامته بها إلى أن انتقل إلى ربه عز و جل؟
أجيب: بأن حكمة اللّه تعالى قد اقتضت أنه٧ تتشرف به الأشياء، لا أنه يتشرف بها، فلو بقى٧ فى مكة إلى انتقاله إلى ربه لكان يتوهم أنه قد تشرف بمكة، إذ أن شرفها قد سبق بالخليل و إسماعيل،
[١] سورة يس: ١- ٩.
[٢] سورة الأنفال: ٣٠.
[٣] سورة الإسراء: ٨٠.
[٤] أخرجه الترمذى (٢١٣٩) فى التفسير، باب: و من سورة بنى إسرائيل، و أحمد فى «مسنده» (١/ ٢٢٣)، و الحاكم فى «مستدركه» (٣/ ٤)، و صححه الحاكم و الترمذى.