المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٦٠ - هجرته- صلى اللّه عليه و سلم
الطائف و دعاءه إياهم، و أنه لما انصرف عنهم بات بنخلة، فقرأ تلك الليلة من القرآن، فاستمعه الجن من أهل نصيبين.
قال: و هذا صحيح، لكن قوله إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر، فإن الجن كان استماعهم فى ابتداء الإيحاء، و يدل له حديث ابن عباس عند أحمد قال: كان الجن يستمعون الوحى فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرا، فيكون ما سمعوه حقّا و ما زادوه باطلا، و كانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فلما بعث رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- كان أحدهم لا يأتى مقعده إلا رمى بشهاب يحرق ما أصاب منه، فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث، فبعث جنوده فإذا النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- يصلى بين جبلى نخلة فأخبروه فقال: «هذا الحدث الذي حدث فى الأرض» [١].
و رواه النسائى و صححه الترمذى.
قال: و خروجه- صلى اللّه عليه و سلم- إلى الطائف كان بعد موت عمه.
و روى ابن أبى شيبة عن عبد اللّه بن مسعود قال: هبطوا على النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و هو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، فأنزل اللّه عز و جل: وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [٢].
فهذا مع رواية ابن عباس تقتضى أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- لم يشعر بحضورهم فى هذه المرة، و إنما استمعوا قراءته ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا، قوما و فوجا بعد فوج. انتهى.
و فى طريقه٧ هذه، دعا بالدعاء المشهور:
«اللهم إليك أشكو ضعف قوتى، و قلة حيلتى، و هوانى على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين، و أنت رب المستضعفين، إلى من
[١] صحيح: أخرجه الترمذى (٣٣٢٤) فى التفسير، من سورة الجن و أحمد فى «مسنده» (١/ ٢٧٤)، و الطبرانى فى «الكبير» (١٢/ ٤٦)، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى».
[٢] سورة الأحقاف: ٢٩.