المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٥٧ - هجرته- صلى اللّه عليه و سلم
يقول: إنى لأعلم أن ما يقوله ابن أخى لحق، و لو لا أنى أخاف أن تعيرنى نساء قريش لاتبعته. و فى شعره يقول:
لقد علموا أن ابننا لا مكذب * * * يقينا و لا يعزى لقول الأباطل
فإن هذا تصريح باللسان و اعتقاد بالجنان غير أنه لم يذعن. انتهى.
و حكى عن هشام بن السائب الكلبى، أو أبيه أنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جمع إليه وجوه قريش، فأوصاهم فقال:
يا معشر قريش، أنتم صفوة اللّه من خلقه. إلى أن قال: و إنى أوصيكم بمحمد خيرا، فإنه الأمين فى قريش، و الصديق فى العرب، و هو الجامع لكل ما أوصيكم به، و قد جاء بأمر قبله الجنان و أنكره اللسان مخافة الشنان [١]، و ايم اللّه كأنى أنظر إلى صعاليك العرب، و أهل الوبر و الأطراف، و المستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، و صدقوا كلمته، و عظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش و صناديدها أذنابا، و دورها خرابا، و ضعفاؤها أربابا، و إذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، و أبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، و أصغت له فؤادها، و أعطته قيادها، يا معشر قريش، كونوا له ولاة، و لحزبه حماة، و اللّه لا يسلك أحد سبيله إلا رشد، و لا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، و لو كان لنفسى مدة و لأجلى تأخير لكففت عنه الهزاهز، و لدفعت عنه الدواهى. ثم هلك.
ثم بعد ذلك بثلاثة أيام- و قيل: بخمسة- فى رمضان بعد البعثة بعشر سنين، على الصحيح، ماتت خديجة- رضى اللّه عنها-.
و كان- صلى اللّه عليه و سلم- يسمى ذلك العام عام الحزن، فيما ذكر صاعد و كانت مدة إقامتها معه- صلى اللّه عليه و سلم- خمسا و عشرين سنة على الصحيح. ثم بعد أيام من موت خديجة تزوج٧ سودة بنت زمعة.
ثم خرج٧ إلى الطائف بعد موت خديجة بثلاثة أشهر، فى ليال
[١] الشنان: البغض.