مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٤٢٤ - خطبة علي في التَّحكيم
[و على كل حال، لقد ابتلي أمير المؤمنين ٧ بأُمور:
منها أنَّه ابتلي بأعداء لا يعتنقون مبدءا، و لا يعتقدون أمراً من مبدأ و معاد، و لا يلتزمون بقانون أخلاقي، و لا يتركون ظلماً، و لا جوراً، و لا جناية قليلًا و لا كثيراً يقدرون عليه كعَمْرو بن العاص، و مروان، و بُسْر بن أرطاة، و زياد ...].
قال أبو جَعْفَر الإسكافي مُحَمَّد بن عبد اللَّه المعتزلي: فلم يؤت عليّ رضى الله عنه في أموره لسوء تدبير كان منه، أو لغلط في رأي، غير أنَّه كان يؤثر الصَّواب عند اللَّه في مخالفة الرَّأي، و لا يؤثر الرَّأي في مخالفة رضا ربّه.
و قد كانت له خاصَّة من أهل البصائر و اليقين من المهاجرين و الأنصار، مثل ابن عبَّاس، و عَمَّار، و المقداد، و أبي أيّوب الأنْصاريّ، و خُزَيْمَة بن ثابت، و أبي الهَيْثم بن التّيهان، و قَيْس بن سَعْد بن عُبادَة الأنْصاريّ، و مَن أشبه هؤلاء من أهل البصيرة و المعرفة، فأفنتهم الحروب و اخترمهم الموت.
و حصل معه من العامَّة قوم لم يتمكَّن العلم من قلوبهم، تبعوه مع ضعف البصيرة و اليقين، ليس لهم صبر المهاجرين، و لا يقين الأنصار، فطالت بهم تلك الحروب، و اتصلت بعضها ببعض، وفني أهل البصيرة و اليقين، و بقي من أهل الضَّعف في النِّيَّة، و قصر المعرفة من قد سئموا الحرب، و ضجروا من القتل، فدخلهم الفشل، و طلبوا الرَّاحة، و تعلَّقوا بالأعاليل، فعندها قام فيهم خطيباً، فقال:
(أيُّها النَّاسُ المُجتَمِعةُ أبدانُهم، المُختلِفَةُ أهواؤُهُم، كَلامُكُم يُوهِي الصُمَّ الصِّلابَ، وفِعلُكُم يُطمِعُ فِيكُم الأَعداءَ، تقولونَ في المجالِسِ كَيْت وكَيْت، فإذا جاء القِتالُ قُلتُم: حيدي حَيادِ ...
). [١]
[أقول: لمَّا انتهت حرب صفِّين إلى تحكيم الحَكَمَين، و متاركة الحرب، و كتب
[١]. المعيار و الموازنة: ص ٩٨.