مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٢٨٥ - ٦١ كتابه
ولا نأمَنُ مِنهُم حَتَّى ندفَعَ إليهِم محمّداً فَيقتُلوه ويمثِّلوا بِهِ، فلَم نَكُن نأمَنُ فِيهِم إلَّا مِن مَوْسِمٍ إلى مَوْسِمٍ، فَعزَمَ اللَّهُ لَنا علَى منعِهِ، والذَّبِّ عن حَوْزتِهِ، والرَّمي مِن وراءِ حُرمَتِهِ، والقيامِ بأسيافِنا دُونَهُ في ساعاتِ الخَوفِ باللَّيل والنَّهار، فمُؤمِنُنا يَرجو بِذَلِكَ الثَّوابَ، وكافِرُنا يُحامي عَنِ الأصلِ، وأمَّا مَن أسلَم مِن قُرَيشٍ فإنَّهُم مِمَّا نحنُ فيهِ خَلاءٌ، مِنهُم الحَليفُ المَمنُوعُ، ومِنهُم ذو العَشِيرةِ الَّتي تُدافِعُ عَنهُ، فلا يبغيه أحدٌ مِثلَ ما بغانا بِهِ قومُنا مِنَ التَّلفِ، فَهُم مِنَ القتْلِ بِمَكانِ نجْوةٍ وأمْنٍ، فكانَ ذلِكَ ما شاءَ اللَّهُ أن يَكُونَ.
ثُمَّ أمرَ اللَّهُ تَعالى رسولَهُ بالهِجرَةِ، وأذِنَ لَهُ بَعدَ ذلِكَ في قِتالِ المُشركِينَ، فكان إذا احمَرّ البأسُ، ودُعِيَتْ نَزالِ [١] أقامَ أهلَ بيتِهِ، فاستَقدَمُوا، فَوقَى أصحابَهُ بِهِم حَدَّ الأسنَّةِ والسُّيُوفِ، فَقُتِلَ عُبيدَةُ يَومَ بَدْرٍ، وحَمزةُ يَومَ أُحدٍ، وجَعْفَرُ وزَيْدٌ يَومَ مُؤتَة، وأراد مَن لَو شِئتُ ذَكَرتُ اسمَهُ مِثلَ الَّذي أرادوا من الشَّهادة مع النَّبيّ ٦ غيرَ مَرّةٍ، إلَّا أنَّ آجالهم عُجِّلَت، ومَنيَّته أُخِّرت، واللَّهُ ولِيُّ الإحسانِ إليهِم، والمِنَّةِ علَيهِم، بما أسلفوا من أمر الصَّالحات، فما سَمِعْتُ بأحَدٍ، ولا رأيتُهُ هو أنصَحُ في طاعَةِ رَسولِهِ، ولا لِنبيِّهِ، ولا أصبرَ على اللأواء [٢] والسَّرَّاء والضَّرَّاء وحين البأس، ومَواطِنِ المَكْروهِ مَعَ النَّبيّ ٦ من هَؤلاءِ النَّفر الَّذِينَ سَمَّيتُ لَكَ، وفي المهاجرين خيرٌ كثيرٌ يُعرَف، جَزاهُمُ اللَّهُ خَيراً بأحسَنِ أعمالِهِم.
وذكرتَ حسدي الخلفاءَ وإبطائي عنهم، وبغيي عليهم؛ فأمَّا البغيُ فمعاذَ اللَّهِ أن يَكُونَ، وأمَّا الإبطاءُ عَنهُم والكراهِيَةُ لأمرِهِم، فَلَستُ أعتَذِرُ إلى النَّاس مِن ذلِكَ؛ إنَّ اللَّهَ تعالى ذكره لمّا قَبَضَ نبيَّه ٦.
[١] أي: تنازلوا للحرب (مجمع البحرين: ج ٣ ص ١٧٧٤ «نزل»).
[٢] اللّأْواء: الشدّة، و ضيق المعيشة (النهاية: ج ٤ ص ٢٢١ «لأواء»).