مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ١٨٤ - ٣٥ كتابه
اللَّه عز و جل يقول في مُحْكَم كِتَابِه: «إِنَّ اللَّهَ لَايُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَ إِذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُو وَ مَا لَهُم مّن دُونِهِى مِن وَالٍ» [١].
و لَو أنَّ أهْلَ المَعَاصِي، و كَسَبَةَ الذُّنُوبِ، إذا هُم حَذِرُوا زَوَالَ نِعَمِ اللَّهِ، و حُلُولَ نَقمَتِه، و تَحْوِيلَ عَافِيَتِه، أيْقَنُوا أنَّ ذَلك مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ- بمَا كَسَبَتْ أيْدِيهم-، فَأقْلَعُوا و تَابُوا، و فَزِعُوا إلى اللَّه جَلَّ ذِكْرُه، بِصِدْقٍ مِن نِيَّاتِهِم، و إِقْرَارٍ مِنهُم بِذُنُوبِهِم، و إِسَاءَتهم، لَصَفَحَ لَهُمْ عن كُلِّ ذَنبٍ، و إذاً لَأقَالَهُمْ كُلَّ عَثْرَةٍ، و لَرَدَّ عَلَيهِم كُلَّ كَرَامَةِ نِعْمَةٍ، ثُمَّ أعَادَ لهم من صَلَاح أمْرِهم، و مِمَّا كانَ أنْعَمَ بِهِ عليهم، كُلَّ مَا زَالَ عَنهُم، و أُفْسِدَ عليهم.
فَاتَّقُوا اللَّهَ أيُّهَا النَّاسُ حَقَّ تُقَاتِهِ، و اسْتَشْعِرُوا خَوْفَ اللَّه جَلَّ ذِكْرُهُ، و أخْلِصُوا اليقِينَ، و تُوبُوا إِلَيه من قَبِيحِ ما اسْتَفَزَّكُمُ الشَّيْطَانُ مِن قِتَالِ وَلِيِّ الأمْرِ، و أهْلِ العِلم بعد رَسُولِ اللَّه ٦، و ما تَعَاوَنْتُمْ عَلَيهِ مِن تَفْرِيقِ الجَمَاعَةِ، و تَشَتُّتِ الأمْرِ و فَسَادِ صَلاحِ ذَاتِ البَيْنِ، إِنَّ اللَّهَ عز و جل يَقْبَلُ التَّوْبَةَ، و يَعْفُو عن السَّيِّئَات، و يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ»
. [٢]
[و نقل المفيد (رحمه الله) هذه الخطبة بنحو آخر، و هي هكذا:]
من كلامه ٧ بالبصرة، حينَ ظهرَ على القوم، بعدَ حمدِ اللَّهِ و الثَّناءِ عليه:
«أمَّا بعدُ؛ فإنَّ اللَّهَ ذو رَحمَةٍ واسِعَةٍ، ومَغفِرَةٍ دائِمَةٍ، وعَفوٍ جَمٍّ، وعِقابٍ أليمٍ؛ قضَى أنَّ رَحمَتَهُ ومَغفِرَتَهُ وعفوَه لأهل طاعتِهِ من خلقهِ، وبِرحمَتِهِ اهتدى المهتدونَ، وقضَى أنَّ نِقْمَتَه وسَطَواته وعقابَهُ على أهلِ مَعصيتِهِ من خلقِهِ، وبعدَ الهُدى والبيِّناتِ ما ضلَّ الضَّالُّونَ. فما ظَنُّكم- يا أهل البصرة- وقد نكثْتُم بيعتي، وظاهَرْتُم علَيَّ عَدُوِّي؟»
فقامَ إليه رجلٌ، فقال: نَظُنُّ خيراً، و نَراك قد ظَفِرْتَ و قَدَرْتَ، فإنْ عاقبْتَ فقد اجترمْنا ذلك، و إن عفوْتَ فالعفوُ أحبُّ إلى اللَّهِ.
[١]. الرعد: ١١.
[٢]. الكافي: ج ٨ ص ٢٥٦ ح ٣٦٨.