الجنّة والنّار في الکتاب والسّنّة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٤٧
٣٩. عنه عليه السلام ـ لِلجاثَليقِ الدُّنيا فِي الآخِرَةِ وَالآخِرَةُ مُحيطَةٌ بِالدُّنيا ، إذ كانَتِ النُّقلَةُ مِنَ الحَياةِ إلَى المَوتِ ظاهِرَةً ، وكانَتِ الآخِرَةُ هِيَ دارُ الحَيَوانِ لَو كانوا يَعلَمونَ ؛ وذلِكَ أنَّ الدُّنيا نُقلَةٌ وَالآخِرَةَ حَياةٌ ومُقامٌ ، مَثَلُ ذلِكَ كَالنّائِمِ ؛ وذلِكَ أنَّ الجِسمَ يَنامُ ، وَالرّوحَ لا تَنامُ ، والبَدَنَ يَموتُ وَالرّوحَ لا تَموتُ [١] ، قالَ اللّهُ عز و جل : «وَ إِنَّ الدَّارَ الْاخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ» [٢] . وَالدُّنيا رَسمُ الآخِرَةِ وَالآخِرَةُ رَسمُ الدُّنيا [٣] ، ولَيسَ الدُّنيا الآخِرَةَ ولَا الآخِرَةُ الدُّنيا . إذا فارَقَ الرُّوحُ الجِسمَ يَرجِعُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى ما مِنهُ بَدَأَ وما مِنهُ خُلِقَ ، وكَذلِكَ الجَنَّةُ وَالنّارُ فِي الدُّنيا مَوجودَةٌ وفِي الآخِرَةِ ؛ لِأَنَّ العَبدَ إذا ماتَ صارَ في دارٍ مِنَ الأَرضِ ؛ إمّا رَوضَةٍ مِن رِياضِ الجَنَّةِ ، وإمّا بُقعَةٍ مِن بِقاعِ النّارِ ، وروحُهُ إلى أحَدِ دارَينِ ؛ إمّا في دارِ نَعيمٍ مُقيمٍ لا يَموتُ فيها ، وإمّا في دارِ عَذابٍ أليمٍ لايَموتُ فيها ، وَالرَّسمُ لِمَن عَقَلَ مَوجودٌ واضِحٌ ، وقَد قالَ اللّهُ عز و جل : «كَلَا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينَ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْـئلُنَّ يَوْمَـئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ» [٤] وعَنِ الكافِرينَ ، فَقالَ : إنَّهُم كانوا في شُغُلٍ عَن ذِكري ، وكانوا لا يَستَطيعونَ سَمعا [٥] ، ولَو عَلِمَ الإِنسانُ ما هُوَ فيهِ ماتَ خَوفا مِنَ المَوتِ ، ومَن نَجا فَبِفَضلِ اليَقينِ . [٦]
[١] في المصدر : «يموت» ، والتصويب من بحار الأنوار .[٢] العنكبوت : ٦٤ .[٣] الرسم : تمثيل الشيء يطلق على ما يقابل الحقيقة كقول الشاعر : «أرى ودّكم رسما وودّي حقيقة» والظاهر أنّ المراد أنّ الدنيا تمثيل الآخرة والآخرة تمثيل الدنيا ، فيكون مثل قوله سبحانه وتعالى : «وَ أُتُواْ بِهِ مُتَشَـبِهًا»(البقرة : ٢٥) .[٤] التكاثر : ٥ ـ ٨ .[٥] إشارة إلى الآية : ١٠١ من سورة الكهف .[٦] إرشاد القلوب : ص ٣٠٩ عن سلمان ، بحار الأنوار : ج ٣٠ ص ٧٢ ح ١ .