الجنّة والنّار في الکتاب والسّنّة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٤٩
٩٨٥. الخرائج والجرائح عن شعيب : كانَ زَمِيلُكَ؟ قُلتُ : الخَيِّرُ الفاضِلُ أَبُو مُوسَى النَّبّالُ . قالَ : اِستَوصِ بِهِ خَيرا، فَإِنَّ لَهُ عَلَيكَ حُقُوقا كَثِيرَةً : فَأَمّا أَوَّلُهُنَّ فَما أَنتَ عَلَيهِ مِن دِينِ اللّهِ ، وَحَقِّ الصُّحبَةِ . قُلتُ : لَو استَطَعتُ ما مَشى عَلَى الأَرضِ . قالَ : اِستَوصِ بِهِ خَيرا. قُلتُ : دُونَ هذا أَكتَفِي بِهِ مِنكَ . قالَ : فَخَرَجنا حَتّى نَزَلنا مَنزِلاً فِي الطَّرِيقِ يُقالُ لَهُ : «ونقر» فَنَزَلناهُ ، وَأَمَرتُ الغِلمانَ أَن تُلقِيَ لِلإِبِلِ العَلَفَ ، وتَصنَع طَعاما، فَفَعَلُوا . وَنَظَرتُ إِلى أَبِي مُوسى وَمَعَهُ كُوزٌ مِن ماءٍ ، وَأَخَذَ طَرِيقَهُ لِلوُضُوءِ وَأَنا أَنظُرُ إِلَيهِ ، حَتّى هَبَطَ فِي وَهدَةٍ مِنَ الأَرضِ . وأَدرَكَ الطَّعامُ ، فَقَالَ لِي الغِلمانُ : قَد أَدرَكَ الطَّعامُ ، تَتَغَدَّونَ؟ قُلتُ لَهُم : اُطلُبوا أَبا مُوسى ، فَإِنَّهُ أَخَذَ فِي هذَا الوَجهِ يَتَوَضَّأُ . فَطَلَبَهُ الغِلمانُ ، فَلَم يُصِيبُوهُ . فَقُلتُ لَهُم : اُطلُبُوا أَبا مُوسى ، وَأَعطَيتُ اللّهَ عَهدا أَن لا أَبرَحَ مِن مَوضِعِي الَّذِي أَنا فِيهِ ثَلاثَةَ أَيّامٍ أَطلُبُهُ ، حَتّى أُبلِيَ إِلَى اللّهِ عُذرا. فَاكتَرَيتُ الأَعرابَ فِي طَلَبِهِ ، وَجَعَلتُ لِمَن جاءَ بِهِ عَشَرَةَ آلافِ دِرهَمٍ ـ وَهِيَ دِيَتُهُ ـ فَانطَلَقَ الأَعرابُ فِي طَلَبِهِ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ، فَلَمّا كانَ اليَومُ الرّابِعُ أَتانِيَ القَومُ آيِسُونَ مِنهُ ، فَقالُوا لِي : يا عَبدَ اللّهِ ، ما نَرى صاحِبَكَ إِلّا وَقَدِ اُختُطِفَ ، إِنَّ هذِهِ بِلادٌ مَحضُورَةٌ فُقِدَ فِيها غَيرُ واحِدٍ ، وَنَحنُ نَرى لَكَ أَن تَرتَحِلَ مِنها! فَلَمّا قالُوا لِي هذِهِ المَقالَةَ ارتَحَلتُ ، حَتّى قَدِمنا الكُوفَةَ ، وَأَخبَرتُ أَهلَهُ بِقِصَّتِهِ . وَخَرَجتُ مِن قابِلٍ ، حَتّى دَخَلتُ عَلى أَبِي عَبدِ اللّهِ عليه السلام . فَقالَ لِي : يا شُعَيبُ ، أَلَم آمُركَ أَن تَستَوصِيَ بِأَبِي مُوسَى النَّبّالِ خَيرا؟! قُلتُ : بَلى ، وَلكِن لَم أَذهَب حَيثُ ذَهَبَ . فَقالَ : رَحِمَ اللّهُ أَبا مُوسى ، لَو رَأَيتَ مَنازِلَ أَبِي مُوسى فِي الجَنَّةِ لأَقَرَّ اللّهُ عَينَكَ . ثُمَّ قالَ : كانَت لِأَبِي مُوسى دَرَجَةٌ عِندَ اللّهِ ، لَم يَكُن يَنالُها إِلَا بِالَّذِي اُبتُلِيَ بِهِ . [١]
[١] الخرائج والجرائح : ج ٢ ص ٦٣٣ ح ٣٤ ، بحار الأنوار : ج ٤٧ ص ١٠٥ ح ١٣٣.