الجنّة والنّار في الکتاب والسّنّة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٤٣٤
ذلك لأنّ عقوبة الآخرة هي نفس العمل في الدنيا وليست شيئا منفصلاً عن العمل . على هذا الأساس يمكن القول بأنّه لا ريب في أنّ بعض العقوبات الاُخرويّة هي اُمور تكوينيّة ناجمة عن أفعال الإنسان القبيحة أو أنّها تجسّم لتلك الأفعال ، ففي هذا القسم من العقوبات الاُخروية لا معنى لطرح شبهة عدم تناسب العقوبة مع المعصية والمخالفة ، فإنّها نظير العقوبات التكوينيّة الدنيويّة . والسؤال المطروح هو : هل إنّ العقوبات الاُخرويّة هي بأجمعها تكوينيّة ، أم أنّ بعضها تابع للتباني والاتّفاق ؟ يبدو في النظر أنّه لا يوجد دليل قاطع ينفي وجود عقوبات تابعة للتباني والاتّفاق . والحكمة من أمثال هذه العقوبات الجزائيّة هي أنّ لها آثارا تربوية في عالم الدنيا ؛ ذلك أنّ الاعتقاد بوجود عقابٍ شديد على الأفعال القبيحة ـ بل احتماله ـ يكون رادعا للإنسان للإتيان بها ، وكما ورد فى الرواية : خَلَقَ اللّهُ تَعالى جَهَنَّمَ مِن فَضلِ رَحمَتِهِ سَوطا يَسوقُ اللّهُ بِهِ عِبادَهُ إلى الجَنَّةِ . -٤[١] لنقطة الحائزة للأهمّيّة والجديرة بالالتفات فيما يتعلّق بتناسب معصية اللّه سبحانه والعقوبة الاُخرويّة ، هي أنّ عصيان الإنسان للمنعم الذي نعماؤه جزيلة وغير متناهية ، يكون بحكم العقل ذا قبح عظيم جدّا ، ويوجب أشدّ العقوبة ، ويرشد إلى ذلك ما قاله الإمام زين العابدين عليه السلام فى بعض أدعيته ، حيث جاء فيه : يا إلهى! لَو بَكَيتُ إلَيكَ حَتّى تَسقُطَ أشفارُ عَينَيَّ ، وَانتَحَبتُ حَتّى يَنقَطِعَ صَوتي ، وقُمتُ لَكَ حَتّى تَنتَشِرَ قَدَمايَ ، ورَكَعتُ لَكَ حَتّى يَنخَلِعَ صُلبي ، وسَجَدتُ لَكَ حَتّى تَتَفَقَّأَ حَدَقَتايَ ، وأَكَلتُ تُرابَ الأَرضِ طولَ عُمُري ، وشَرِبتُ ماءَ الرَّمادِ آخِرَ دَهري ، وذَكَرتُكَ في خِلالِ ذلِكَ حَتّى يَكِلَّ لِساني ، ثُمَّ لَم أرفَع طَرفي إلى آفاقِ السَّماءِ
[١] ميزان الحكمة : ج ٦ ص ٢٤٤ ح ١٤٥٢٠ .[٢] نهج البلاغة : الحكمة ٧ .[٣] بحار الأنوار: ج ٣ ص ٩٠ نقلاً عن الخبر المشتهر بتوحيد المفضل عن الإمام الصادق عليه السلام .[٤] راجع : ص ٤٦٧ ح ١١٥١[٥] الصحيفة السجّادية : ص ٧٠ (دعاؤه في الاستقالة) ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ٦ ص ١٨٢ .