مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٠ - فرية انقطاع الوحي وفتوره
وعن رجل كان طوّافاً قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، وأخبرنا عن الروح ما هي ؟ فقال لهم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : أخبركم بما سألتم عنه غداً ولم يستثن ، فانصرفوا عنه [١].
نحن ننزّه ساحة النبي الأكرم الذي نشأ نشأة الأنبياء في عالم مليء بالطهر والقداسة ، أن يخبرهم على وجه قاطع بأنّه سيجيبهم غداً على أسئلتهم تلك فمن أين علم أنّه سبحانه ينزل الوحي عليه غداً ؟ أو أنّه سبحانه يجيب عن أسئلتهم عن طريق الوحي ؟
وأمّا الثاني : فهو أشبه بالقصص الموضوعة ، فهل من المعتاد أن يباع عنقود عنب ثلاث مرّات في السوق ، ومثله عذق تمر ؟ ولعلّ الجاعل كان يهدف إلى إختلاق الفضائل لعثمان فحسب أنّ هذا الموضع مناسب له.
وأمّا الثالث : فبعيد جدّاً ، إذ كيف يمكن أن يموت الجرو تحت سرير النبي أو في زاوية من البيت ولا يلتفت إليه ؟ على أنّ ظاهر الرواية أنّ إنقطاع الوحي كان بعد تلقّي النبي لنزول الوحي مدّة مديدة حيث إنّ خولة قالت : « وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته الرعدة » فإنّ ذلك يعرب عن أنّ الحادثة كانت في أزمنة متأخّرة من بدء البعثة ، مع أنّ المشهور انّها كانت في بدء البعثة ـ أي بعد نزول سورة العلق أو آيات منها ـ.
وأمّا الرابع : فهو أشبه بحمل النبي وزر الغير ، فإنّ عدم قصّ المسلمين شواربهم ، أو عدم تنظيف رواجبهم لا يكون سبباً لإنقطاع الوحي ، قال سبحانه : ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ) ( الأنعام / ١٦٤ ).
هذه الوجوه كلّها تدفع بنا إلى القول : بأنّ مسألة انقطاع الوحي فرية تاريخيّة صنعتها يد الجعل والوضع لغاية أو غايات خاصّة ، ولم يكن هناك أيّة فترة ، وإنّما المسألة كانت بصورة اُخرى :
[١] السيرة النبويّة لإبن هشام ج ١ ، ص ٣٠١.