مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٩٩ - ٥ ـ صلح الحديبية
٥ ـ صلح الحديبيّة
إنّ الله تعالى أرى نبيّه في المنام بالمدينة أنّ المسلمين دخلوا المسجد الحرام ، فأخبر بذلك أصحابه ، ففرحوا وحسبوا أنّهم داخلوا مكّة عامهم ذلك ، وهي السنة السادسة من الهجرة. ثمّ استنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي ليخرجوا معهم لإداء فريضة العمرة ، لزيارة بيت الله ، وتعظيماً له ، لا لقتال أو جهاد ، فساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه ، وكانت الهدي سبعين بدنة ، وكان الناس سبعمائة رجل ، فكانت كل بدنة عن عشرة نفرات.
خرج رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى إذا كان بعسفان [١] لقيه « بشر بن سفيان الكعبي » فقال : يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك ، ولقد لبسوا جلود النمور ، ونزلوا بذي طوى [٢] يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبداً ، وهذا « خالد بن الوليد » في خيلهم قد قدّموها إلى كراع الغميم [٣] ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : يا ويح قريش ! لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب ، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا ، وإن اظهر نبي الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين ، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوّة ، فما تظن قريش ؟ فو الله لا أزال اُجاهد على الذي بعثني الله به ، حتّى يظهره الله ، أو تنفرد هذه السالفة [٤].
ثمّ قال : مَنْ رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها ؟
[١] عسفان ، منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكّة ، وهي من مكّة على مرحلتين.
[٢] موضع قرب مكّة.
[٣] واد أمام عسفان بثمانية أميال.
[٤] صفحة العنق ، وكنى بإنفرادها عن الموت.