مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٠٢ - إبادة بني قريظة
القوم أم لا ؟ فإن كان حقّاً فألحنوا لي لحناً [١] أعرفه ، ولا تفتّوا في أعضاد الناس ، وإن كانوا غير ناقضين فأجهروا به للناس ، قال فخرجوا حتى أتوهم ، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم فيما نالوا من رسول الله وقالوا : مَن رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد ، فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه ، وكان رجلاً فيه حدّه ، فقال له سعد بن عبادة : دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أعظم من المشاتمة ، فأقبلا إلى رسول الله فسلّموا عليه ، وقالوا : « عضل والقارة » أي غدروا كغدر عضل والقارة ، وأصحاب الرجيع ، فقال رسول الله : الله أكبر ! أبشروا يا معشر المسلمين. وعظم عند ذلك البلاء واشتدّ الخوف وذلك لأنّهم لو قطعوا المير والمدد وفتحوا الطريق للأحزاب ، لدخلوا المدينة واستأصلوا أهلها ، فما مضى وقت حتّى بدت بوادر النقض فقطعوا المدد والميرة عن المسلمين ، وخرجوا يطيفون في أزقّة المدينة ، يخوّفون النساء والصبيان. قالت صفيّة ـ وكانت في حصن « حسّان » ـ : مرّ بنا رجل من اليهود فجعل يطيف بالحصن ، فقلت : يا حسّان ! إنّ هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وإنّي والله ما آمنه أن يدلّ على عورتنا مَنْ وراءنا من يهود ، وقد شغل عنّا رسول الله وأصحابهم ، فانزل إليه فاقتله. قال : يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب ! والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا ! قالت : فلمّا قال لي ذلك ، ولم أر عنده شيئاً احتجزت [٢] ثمّ أخذت عموداً ثمّ نزلت من الحصن إليه ، فضربته بالعمود ، حتّى قتلته. قالت : فلمّا فرغت منه ، رجعت إلى الحصن [٣].
ثمّ إنّه سبحانه سلّط على الأحزاب البرد والريح الشديدة ، وفرّق كلمتهم على وجه سيوافيك تفصيله ، وتفرّقوا وجلوا عن جوانب المدينة ورجعوا إلى أوطانهم من دون أن ينالوا من المسلمين شيئاً. ولم يكن عود الأحزاب بعد فصل الشتاء أمراً غير بعيد في نظر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وبنو قريظة هم الأعداء الغدرة ، ومن الممكن أن يتكرّر التاريخ ويقع المسلمون في مغبّته ، وبينما كان النبيّ يفكر في
[١] أي تكلّموا بالإشارة والتعريض ، ولا توهنوا عزائم المسلمين.
[٢] شددت معجري.
[٣] السيرة النبويّة لابن هشام ، ج ٢ ص ٢٢٨.