مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٣١ - استغاثة المسلمين ونزول الملائكة
إنّ النّبي لمّا نظر إلى كثرة عدد المشركين وقلّة عدد المسلمين استقبل القبلة ، وقال : اللّهم أنجز لي ما وعدتني ، اللّهم إن تهلك هذه العصابة ، لا تعبد في الأرض. فما زال يهتف ربّه مادّاً ييديه حتّى سقط رداؤه من منكبيه ، فأنزل الله تعالى : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ( الأنفال / ٩ و ١٠ ).
لعلّ معنى قوله : ( وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ ) إنّه سبحانه جعل الإمداد بالملائكة بشرى للمسلمين بالنّصر ولتسكن به قلوبهم وتزول الوسوسة عنها ، وإلاّ فملك واحد كاف للتدمير.
أو لعلّ معناها : انّ الإمداد بالملائكة إمداد بالسبب والنصر الحقيقي من جانب المسبّب وهو الله العزيز الحكيم ، وليس للسبب أصالة ولا استقلال [١].
ثمّ إنّه سبحانه جعل عدد الملائكة في هذه الآية ألفاً ، مع أنّه سبحانه أمدّ المسلمين ـ حسب آية اُخرى ـ بثلاثة آلاف كما في قوله : ( إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَىٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ الْعَزِيزِ الحَكِيمِ ) ( آل عمران / ١٢٤ ـ ١٢٦ ).
ولكنّ الاختلاف يرتفع بالإمعان بما في ذيل الآية التّاسعة من سورة الأنفال حيث قال : ( بِأَلْفٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) أي مردفين بملائكة اُخرى ، كما يقال أردفت زيداً خلفي ، فيكون المفعول الثاني محذوفاً ، فلو كان عدد الملائكة الاُخرى ألفين ، يصير المجموع ثلاثة ألاف.
[١] وقد تكرّر مضمون الآية في سورة آل عمران ، الآية ١٢٦.