مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٨١ - استحواذ القلق عند مرابطة الأحزاب
إنّ الآية الاُولى ترسم لنا كيفيّة نزول الأحزاب على المدينة وإنّهم جاءوها من أعاليها وأسافلها ، فقد جاءت قبيلة غطفان وبني النضير من الجانب الشرقي للمدينة وهي الجهة العليا وجاءت قريش ومن انضم إليهم من الأحابيش وكنانة من الجانب الغربي وهي الجهة السفلى ، وإليه يشير قوله سبحانه : ( إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ ).
كما أنّها تعكس الحالة النفسية التي عايشها المسلمون أثناء تطويق المدينة وهم على طوائف :
١ ـ من مالت أبصارهم عن كل شيء فلم تنظر إلاّ إلى عدوّهم مقبلين من كل جانب.
٢ ـ من شخّصت قلوبهم من مكانها ولولا أنّه ضاق الحلقوم عنها إن تخرج لخرجت.
٣ ـ من ظنّ بالله ظنّ الجاهلية متقوّلين بأنّ الكفّار سيغلبون وسيستولون على المدينة وبالتالي ينمحق الدين وتعود الجاهلية أدراجها الاُولىٰ.
وإلى هذه الحالات الثلاث أشارت الآية بجملها الثلاث :
أ ـ ( وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ ).
ب ـ ( وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الحَنَاجِرَ ).
ج ـ ( وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا ).
والجملتان الأوّليتان كناية عن مبلغ استحواذ الخوف والهلع عليهم حتى انتقل بهم إلى حالة شبيهة بالإحتضار التي يزيغ فيها البصر وتبلغ القلوب الحناجر.
وأمّا الجملة الثالثة : فلم تكن تشير إلى عموم المسلمين بل تستعرض حال المنافقين والذين في قلوبهم مرض ، فهؤلاء ظنّوا بالله ظنّ الجاهلية ، كما يدل عليه