مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩١ - الإدراك والغريزة
سَمَاءٍ أَمْرَهَا ) ( فصّلت / ١١ و ١٢ ).
فقوله سبحانه : ( وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ أَمْرَهَا ) يحتمل وجهين :
( الأوّل ) : أودع في كل سماء السنن والأنظمة الكونية وقدّر عليها دوامها إلى أجل معيّن. وبما أنّ السماوات تلقّت هذه السنن والنظم بالإشارة في خلقتها استعير في التعبير لفظ الوحي.
( الثاني ) : إنّ الشعور والإدراك ساريان في جميع مراتب الوجود من أعلاه كواجبه إلى أدناه كالهيولي في عالم التكوين ، ولكن كل حسب درجته ومرتبته ، فالسماوات تلقّت ما أوحى إليها سبحانه بخفاء فقامت بامتثاله ما أوحى إليها من الوظائف.
ومن هذا القبيل قوله سبحانه : ( إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا ) ( الزلزلة / ١ ـ ٥ ).
٢ ـ الإدراك بالغريزة :قال سبحانه : ( وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً ) ( النحل / ٦٨ و ٦٩ ).
فالأعمال المدهشة الخلاّبة للعقول التي تقوم بها النحل في صنع بيوته والقيام بشؤون وظائفها ثم التجوّل بين البساتين ، ومص رحيق الأنهار ، ثمّ إيداعها في صفائح الشهد ، شيء تتعلّمه بإيحاء من الله سبحانه وذلك بإيداع الغرائز الكفيلة بذلك ، وبما أنّ تأثّر النحل بها بخفاء وبلا إلتفات من الشعور والإدراك اُطلق عليه لفظ الوحي.
ويحتمل أيضاً هناك معنى آخر ذكرناه في الوحي إلى السماء.