مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٤ - وأد البنات
وقد ذكر أصحاب السير بعض الدوافع التي دفعت العرب إلى اتّخاذ مثل هذا الموقف الظالم بشأن تلك البريئات لا يسع المجال لنقلها ، ولكن يظهر ممّا نقله صعصعة بن ناجية ـ جد الفرزدق ـ : إنّ ذلك العمل الإجرامي كان شائعاً ورائجاً في غير واحدة من القبائل آنذاك ، وإليك البيان :
إنّ صعصعة بن ناجية بن عقال كان يفدّي المؤودة من القتل ، ولمّا أتى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : يا رسول الله إنّي كنت أعمل عملاً في الجاهلية ، أفينبغي ذلك اليوم ؟ قال : وما عملك ؟ فقال : إنّه حضر ولادة امرأة من العرب بنتاً ، فأراد أبوها أن يئدها ، قال فقلت له : أتبيعها ؟ قال : وهل تبيع العرب أولادها ؟ قال : قلت إنّما أشتري حياتها ولا أشتري رقّها ، فاشتريتها منه بناقتين عشراوين وجمل ، وقد صارت لي سُنَّة في العرب على أن أشتري ما يئدونه بذلك فعندي إلى هذه الغاية ثمانون ومائتا مؤودة وقد أنقذتها.
فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لك أجره إذ منّ الله عليك بالإسلام [١].
وقد ذكر الفرزدق احياء جدّه للمؤودات في كثير من شعره كما قال :
|
ومنّا الذي منع الوائدات |
|
وأحيى الوئيد فلم يؤدد [٢] |
ويعرب عن شيوع هذه العادة الوحشيّة والمروّعة قوله سبحانه :
( وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ) ( الأنعام / ١٣٧ ).
وكذا قوله : ( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ) ( الأنعام / ١٤٠ ).
[١] بلوغ الارب ج ٣ ص ٤٤.
[٢] المصدر نفسه.