مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٧ - العراقيل والموانع تجاه دعوة الرسول
ظلّ النبي الأكرم في موطنه قرابة ثلاثة عشر عاماً ولم يكن النصر حليفه وما كان ذلك إلاّ نتيجة الموانع والعراقيل التي حيكت ضدّه ، وإليك لمحة خاطفة عنها :
١ ـ إنّ الرسالة المحمدية كسائر الرسالات الإلهية كانت تهدف إلى انتشال المستضعفين من حضيض التخلّف المادي والمعنوي والرقي بهم إلى حالة الإزدهار الحضاري ، ومن المعلوم أنّ تلك الخطّة ما كانت تنسجم مع مطامع أصحاب السلطة والثروة الذين يسيطرون على المجتمع بسطوتهم وجبروتهم ويمتصّون دماء المحرومين بلا هوادة ، يقول سبحانه :
( وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ) ( الأنعام / ٥٢ ).
روى الثعلبي في تفسيره باسناده عن عبد الله بن مسعود ، قال : مرّ الملأ من قريش على رسول الله وعنده صهيب وخباب وبلال وعمّار وغيرهم من ضعفاء المسلمين وقالوا : يا محمد ! أرضيت بهؤلاء من قومك ، أفنحن نكون تبعاً لهم ، أهؤلاء الذين منّ الله عليهم ؟ اطردهم عنك ولعلّك إن طردتهم اتّبعناك [١].
٢ ـ التعصّب المقيت لسيرة الآباء والأجداد أمر جبلي للبشر يتنامى في اطار حياتهم القبلية ، وكانت دعوة النبي على خلاف سيرتهم ولذلك اهتمّوا بمكافحته ومنازعته قائلين : بأنّ دعوتك تضاد سيرة آبائنا ، ولم يكتفوا بذلك حتى استدلّوا على صحّة سيرتهم بأنّه لولا مشيئة الله سبحانه لما عبد الآباء الأصنام والأوثان ، يقول سبحانه حاكياً عنهم : ( وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ
[١] مجمع البيان ج ٢ ص ٣٠٥ ، طبع صيدا.