مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤٥ - التعلّم من الغير
سبحانه : ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ) ( النحل / ١٠٣ ).
قال ابن عباس : قالت قريش : إنّما يعلّمه بلعام ( وكان قينا بمكّة روميّاً نصرانياً ) وقال الضحّاك : أرادوا به سلمان الفارسي [١] قالوا إنّه يتعلّم القصص منه ، وقال مجاهد وقتاده : أرادوا به عبداً لبني الحضرمي روميّاً يقال له يعيش أو عائش صاحب كتاب ، أسلم وحسن إسلامه ، وقال عبد الله بن مسلم : كان غلامان في الجاهلية نصرانيّان من أهل عين التمر ، اسم أحدهما يسار واسم الآخر خير ، كانا صيقلين يقرءان كتاباً لهما بلسانهم وكان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ربّما مرّ بهما واستمع لقراءتهما ، فقالوا : إنّما يتعلّم منهما ، ثم ألزمهم الله تعالى الحجّة وأكذبهم بأن قال : لسان الذي يضيفون إليه التعليم ويميلون إليه القول ، أعجميّة لا يفصح ولا يتكلّم بالعربية ، فكيف يتعلّم منه من هو في أعلى طبقات البيان ؟ وهذا القرآن بلسان عربي مبين ، فإذا كانت العرب تعجز عن الإتيان بمثله وهو بلغتهم فكيف يأتي الأعجمي بمثله [٢] ؟
قال ابن هشام : قالوا : إنّما يعلّمه رجل باليمامة يقال له الرحمان ولن نؤمن به أبداً ، فنزل قوله سبحانه : ( كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ) ( الرعد / ٣٠ ) [٣].
روى ابن هشام : إنّ النضر بن الحارث كان إذا جلس رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم مجلساً ، فدعا فيه إلى الله تعالى وتلا فيه القرآن ، وحذّر فيه قريشاً ما أصاب الاُمم الخالية ، خلّفه في مجلسه إذا قام ، فحدّثهم عن رستم واسفنديار وملوك فارس ثم يقول : والله ما محمد بأحسن حديثاً منّي وما حديثه إلاّ أساطير
[١] كيف يقول ذلك مع أنّ سلمان أدرك النبي في مهجره ، لا في موطنه.
[٢] مجمع البيان ج ٣ ص ٣٨٦.
[٣] السيرة النبوية لابن هشام ج ١ ص ٣٣١.