مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥٩ - طلب المشاركة في امتيازات النبوّة ، المطالبة بمثل ما اُوتي سائر الرسل
بعث بمعاجز مثل العصا إذا رمى بها في مجال التحدّي تنقلب ثعباناً ، وبإدخال اليد في الجيب إذا أخرجها منه تكون بيضاء للناظرين ، فاعترضوا عليه صلىاللهعليهوآلهوسلم بأنّه يجب أن تكون حجّة رسالته كحجج الكليم موسى عليهالسلام وقد حكى ذلك منهم سبحانه بقوله : ( فَلَمَّا جَاءَهُمُ الحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ ) ( القصص / ٤٨ ).
وفي آية اُخرى : ( وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) ( الأنعام / ٣٧ ). وربّما يحتجّ بهذا الإعتراض من في قلبه مرض من المستشرقين ، فيجب علينا تناوله بشيء من الدراسة والتحليل لرفع ما فيه من الإيهام والإبهام وذلك من خلال جوابين مستفادين من القرآن الكريم :
أ ـ إنّ هذا الإعتراض كان لمحض إختلاق المعاذير ، والشاهد على ذلك انّ هؤلاء المشركين وصفوا ما اُوتي الكليم بالسحر أيضاً ، فقد روى المفسّرون أنّ المشركين بعثوا رهطاً إلى رؤوس اليهود في عيد لهم فسألوهم عنه صلىاللهعليهوآلهوسلم فأخبروهم بنعته وصفته في كتابهم التوراة ، فرجع الرهط إلى قريش فأخبروهم بقول اليهود ، فقالوا عند ذلك : ( سِحْرَانِ تَظَاهَرَا ) وإليه يشير قوله سبحانه : ( أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ) ( القصص / ٤٨ ).
ويظهر من الآيات الواردة بعد هذه الآية أنّهم رجعوا إلى أهل الكتاب واستفتوهم في أمره وعرضوا عليهم بعض القرآن النازل عليه ، فأجابوا عنه بتصديقه والإيمان به ، فساء ذلك المشركين واُغلظ عليهم بالقول واعرض الكتابيّون عنهم وقالوا : سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين. قال سبحانه : ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ... وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الجَاهِلِينَ ) ( القصص / ٥٢ ـ ٥٥ ) [١].
[١] لاحظ التفاسير.