مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١ - (١) بشائره في الكتب السماويّة
(١)
بشائره في الكتب السماويّة
لقد تعلّقت مشيئة الله الحكيمة ببعث رجال صالحين لإنقاذ البشرية من الجهالة والضلالة ، وسوقهم إلى مرافئ السعادة ، وأنزل عليهم شرائع فيها أحكامه وتعاليمه ، وهذه الشرائع وإن كانت تختلف بعضها عن البعض الآخر ، لكنّها تتّحد جوهراً وحقيقة ، ولو أنّها تفترق صورة وشكلاً كما يشير إليه قوله سبحانه : ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ ) ( آل عمران / ١٩ ). وقوله : ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ) ( آل عمران / ٦٧ ) [١].
فالدين النازل من الله سبحانه إلى كافّة البشر في جميع الأجيال والقرون أمر واحد ، وهو الإسلام ، وقد اُمر بتبليغه جميع رسله وأنبيائه من غير فرق بين السالفين واللاّحقين.
هذا وقد يتفنّن القرآن الكريم في التعبير عن وحدة الشرائع من حيث الاُصول والمبادئ واختلافها شكليّاً بتصوير الدين نهراً كبيراً يجري فيه ماء الحياة المعنويّة ، والاُمم كلّها قاطنة على ضفَّة هذا النهر يردونه ويصدرون عنه ، وينهلون منه حسب حاجاتهم واقتضاء ظروفهم ، وكل ظرف يستدعي حكماً فرعيّاً خاصّاً.
قال سبحانه :
( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ) ( المائدة / ٤٨ ).
فالحقيقة ماء عذب ، والاختلاف في المشرعة والمنهل ، والطريقة والمنهاج.
[١] لاحظ سورة البقرة / ١٣٢ والزخرف / ٢٨.