مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٣ - خاتمة المطاف
فخرج إلى يثرب ومعه مبعوث من قبل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أعني « مُصعبَ بن عُمير » فبشّر أهل يثرب بما عرف من الحقّ ، وصار ذلك تمهيداً لقدوم الرسول الأكرم إلى بلده ، بعد ما بعثوا وفوداً إلى مكّة ليتعرّفوا على رسول الله ويبايعوه على ما هو مذكور في السيرة والتاريخ.
فنقول : كان هذا هو موطن النبي ودار ولادته وهذه هي ثقافة قومه وحضارة بيئته ، وهذه صفاتهم وعاداتهم وتقاليدهم ، وهذه هي علومهم ومعارفهم ، حروبهم وغاراتهم ، عطفهم وحنانهم ، كل ذلك يعرب عن إنحطاط حضاري ، وإنحلال خلقي ، كاد أن يؤدي بهم إلى الهلاك والدمار لو لا أن شاء الله حياتهم الجديدة وميلادهم الحديث.
وأين هذا ممّا جاء به القرآن الكريم والسنّة النبويّة من الدعوة إلى التوحيد ، ورفض الأصنام والأوثان ، وحرمة النفوس ، والأعراض والأموال ، والدعوة إلى العلم ، والقراءة والكتابة ، والحث على العدل والقسط في القول والعمل ، والتجنّب عن الدعارة والفحشاء ، ومعاقرة الخمر والميسر ، فلو دلّ ذلك على شيء فإنّما يدل على أنّ ما جاء به من الأُصول لا يمتّ إلى بيئته بصلة.
هذا ما في الذكر الحكيم حول الوضع الإجتماعي والثقافي والعقائدي والعسكري للعرب في العصر الجاهلي وما كانوا عليه من حيرة وضلال ، وسقوط وانهيار ، فهلمّ معي ندرس وضع العرب الجاهلي عن طريق آخر وهو الإمعان في كلمات الإمام أمير المؤمنين عليّ عليهالسلام الذي عاين الوضع الجاهلي بأُمّ عينيه ، فقد قام الإمام في خطبه ورسائله وقصار كلماته ببيان أحوال العرب قبل البعثة ، وما كان يسودهم من الوضع المؤسف ، وبما أنّ الإمام هو الصادق المصدّق ، نقتطف من كلامه في مجال الخطب والرسائل والكلم القصار ما يمتّ إلى الموضوع بصلة ، وفي ذلك غنى وكفاية لمن أراد الحقّ :