مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٧٧ - لماذا عزل النبي
هي قيمتها عند النبي ؟ وهو صلىاللهعليهوآلهوسلم كان ينسخ كل يوم سنّة جاهليّة وينقض كل حين عادة قوميّة ، وقد قال يوم فتح مكّة : « ألا إنّ كلّ مأثرة أو دم أو مال يدّعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج » [١].
وثالثاً : لو افترضنا أنّ هذه السنّة كانت سنّة عربيّة محمودة فهل كان رسول الله ذاهلاً عنها وناسياً لها حين سلّم الآيات بيد أبي بكر وأرسله وخرج إلى طريق مكّة ؟ فعندما كان في بعض الطريق ذكر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ما نسيه أو ذكّره بعض من كان عنده بما أهمله وذهل عنه من أمر كان الواجب مراعاته ، مع أنّ هذه السنّة لو كانت رائجة لما كان للنبي ولمن حوله أن يغفلوا عنها ثم يتذكّروها ، فهل الذهول عنها إلاّ كذهول المقاتل عن سلاحه والحارس عن حربته ؟
ورابعاً : إنّ عليّاً عليهالسلام لم يبعث لمجرّد نقض العهد وحده ، وإنّما بلّغ أحكاماً لم تكن داخلة في ضمن العهد ، فقال : « يا أيّها الناس لا يحجّ بعد هذا العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله عهد فهو له إلى مدّته ... الخ » [٢].
وبالجملة فلم تكن رسالة الإمام علي عليهالسلام مقصورة على مجرّد تلاوة طائفة من سورة براءة بل تعدّت إلى تبليغ أحكام قرآنية اُخرى نزل بها جبرئيل عن الله سبحانه على رسوله حيث اخبر فيها بأنّه « لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك ».
هذا هو التبرير الذي إرتآه ابن كثير وجنح إليه الآلوسي في تفسيره.
وهناك زمزمة اُخرى تفوّه بها صاحب المنار واستحسنها شلتوت في تفسيره حيث قال الأوّل : « إنّ الصدّيق كان مظهراً لصفة الرحمة والجمال وكان عليّ أسد الله ومظهر جلاله ، ولأجل ذلك فوّض إليه نقض عهد الكافرين الذي هو من آثار الجلال وصفات القهر ، فكان هناك عينين فوّارتين يفور من أحدهما صفة الجمال ومن
[١] السيرة النبوية لابن هشام ج ٢ ص ٤١٢.
[٢] السيرة النبوية لابن هشام ج ٢ ص ٥٤٦.