مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨٤ - الخلفية التشريعية لحرمة الأشهر الحرم
يقتضي المساواة في جميع الوجوه ، ترك العمل بهذا العموم في حق النبوّة وفي حق الفضل لقيام الدلائل على أنّ محمداً عليه الصلاة والسلام كان نبيّاً وما كان علي كذلك ولإنعقاد الإجماع على أنّ محمداً صلىاللهعليهوآلهوسلم كان أفضل من علي (رض) فبقى فيما وراءه معمولاً به ثمّ الإجماع دلّ على أنّ محمداً صلىاللهعليهوآلهوسلم كان أفضل من سائر الأنبياء عليهمالسلام فيلزم أن يكون علي أفضل من سائر الأنبياء [١].
٢٩ ـ الخلفيّة التشريعيّة لحرمة الأشهر الحرم :ربّما نقرأ في بعض الصحف والكتب أنّ عرب الجاهلية هم الذين حرّموا الحرب في الأشهر الحرم واضفوا عليها مسحة قدسية خاصة ، وذلك لأنّهم كانوا متوغّلين في الحروب والغارات وكان تمادي الظاهرة القبليّة الشاذّة موجباً لفكّ عرى الحياة ، ولأجل ذلك استثنوا هذه الأشهر لتقويم أودهم وضمان أمن طرق التجارة وتيسير أمر زيارة الكعبة.
ولكنّها فكرة خاطئة تخالف ما نستلهمه من القرآن الكريم ، فإنّ الظاهر منه أنّ حرمة الأشهر لها جذور دينية وأنّها جزء من صميم الدين القيّم الذي جاء به إبراهيم عليهالسلام إلى اُمّته ، قال سبحانه : ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ... ) ( التوبة / ٣٦ ).
فإنّ قوله : ( ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) ربّما يشير إلى أنّ اتّصاف الأربعة بالحرم جزء من الدين القيّم وتشريعاته.
وعلى ذلك الأساس فالنبيّ الأكرم أولى بأن يحافظ على حرمتها ويراعي قدسيّتها ، وبذلك يسهل لك القضاء في الحادثة الدموية التي وقعت في مستهلّ
[١] تفسير الرّازي ج ٨ ص ٨١ ( طبع بيروت ).