مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٤ - عروجه إلى السماء
ذلك قلنا إنّ الطائفتين تهدف كل منهما إلى قصّة خاصة ، وضمير الفاعل يرجع إلى النبي ، وضمير المفعول لجبرئيل والنزلة نزول جبرئيل إليه ليعرج به إلى السموات.
١٤ ـ ( عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَىٰ ) وهو ظرف للرؤية ، لا للنزلة والمراد برؤيته رؤيته وهو في صورته الأصليّة ، والمعنى أنّه نزل عليه نزلة اُخرى ، وعرج به إلى السماوات ، ورآه النبي عند سدرة المنتهى وهو في صورته الأصليّة ، والسدر شجر معروف والتاء للوحدة ، والمتنهى كأنّه إسم مكان ، ولعلّ المراد به منتهى السماوات بدليل أنّ جنّة المأوى عنده والجنّة في السماء ، فينتج إنّ سدرة المنتهى في السماء ، وأمّا كون الجنّة في السماء فبدليل قوله : ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) ( الذاريات / ٢٢ ) وأمّا ما هو المراد من تلك الشجرة فليس في كلامه سبحانه ما يفسّره ، ويؤيّده قوله : ( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ ) وسيوافيك تفسيره.
١٥ ـ ( عِندَهَا جَنَّةُ المَأْوَىٰ ) والمراد هي جنّة الآخرة التي يأوى إليها المؤمنون. قال تعالى : ( فَلَهُمْ جَنَّاتُ المَأْوَىٰ نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ( السجدة / ١٩ ). وهي أيضاً في السماء على ما دلّ عليه قوله : ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ).
١٦ ـ ( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ ) غشيان الشيء الإحاطة به ، وما موصولة والمعنى إذ يحيط بالسدرة ما يحيط بها ، وقد أبهم الله تعالى حقيقة تلك الشجرة كما أبهم ما يغشاها.
١٧ ـ ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ) زيغ البصر إدراكه المبصر على غير ما هو عليه ، وطغيانه إدراكه ما لاحقيقة له ، والمراد بالبصر بصر النبي ، والمعنى أنّه لم يبصر ما أبصره على غير صفته الحقيقة ، ولا أبصر ما لاحقيقة له بل أبصر إبصاراً لا يشوبه الخطأ.
وقال العلاّمة الطباطبائي : إنّ المراد بالإبصار رؤيته بقلبه لا بجارحة العين ، فإنّ المراد بهذا الإبصار ما يعنيه بقوله : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ ) المشير إلى مماثلة هذه