مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٠ - خرافة الغرانيق
أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) ( القصص / ٥٧ ).
كان على هؤلاء أن يعتبروا بأقوام متمرّدين الذين أعطوا المعيشة الواسعة ، فلم يعرفوا حق النعمة وكفروا فعمّهم الهلاك وهذه ديار عاد وثمود وقوم لوط صارت خالية عن أهلها وهي قريبة منهم ، فإنّ ديار عاد إنّما كانت بالأحقاف وهو موضع بين اليمن والشمال وديار ثمود بوادي القرى ، وديار لوط بسدوم وكانت قريش تمر بهذه المواضع في تجارتها ، وإليه يشير قوله سبحانه : ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ [١] مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ) ( القصص / ٥٨ ).
هذا آخر ما كان عندهم من المبرّرات لعدم الإيمان بالدّعوة.
خرافة الغرانيقكان اللازم علينا ضرب الصفح عن تناول هذه الخرافة التاريخية بالبحث لأَنّا قد اعتمدنا في سرد حوادث السيرة النبوية وفق ما ورد في القرآن الكريم ، فما جاء في خلال آياته نذكره وما لم يرد نتركه إلى كتب السيرة والتاريخ ، غير أنّ هذه القصة لمّا الصقت بساحة القرآن الكريم القدسيّة بالإستناد إلى بعض الآيات الموهمة لذلك كذباً وزوراً ، فصارت ذريعة في الآونه الأخيرة بيد أعداء الدين من المستشرقين ك « بروكلمان » في كتاب تاريخ الشعوب الإسلامية ، ص ٣٤ ، وكتاب « الإسلام » لفرويد هيوم ، لزم علينا التطرّق لتلك الخرافة وتحليلها تحليلاً علميّاً مؤيّداً بالبرهان الرصين والحجّة الدّامغة حتى لا يبقى لمشكك شكّ ولا لمريب ريب إلاّ من أخذته العصبية العمياء فأنّها داء لا علاج له ، خصوصاً ما نشاهده في المؤامرة الأخيرة التي حاكتها بريطانيا وغيرها من أذناب الكفر العالمي حيث زمّروا وطبّلوا لكتاب « الآيات الشيطانية » لمؤلّفه « سلمان رشدي » ومنحوا له جائزة أدبية في ذلك المجال ، والرجل
[١] البطر : الطغيان عن النعمة.