مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨٦ - الخلفية التشريعية لحرمة الأشهر الحرم
فليمتنعنّ منكم به [١] ولئن قتلتموهم لنقتلنّهم في الشهر الحرام ، فتردّد القوم [٢] وهابوا الإقدام عليهم ثمّ شجّعوا أنفسهم عليهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم فرمى واقد بن عبد الله التيمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله ، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وأفلت القوم [٣] نوفل ابن عبد الله فأعجزهم وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير وبالأسيرين حتّى قدموا على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم.
فلمّا قدموا على رسول الله المدينة ، قال : ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام فوقّف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً ، فلمّا قال ذلك رسول الله ، سقط في أيدي القوم وظنّوا أنّهم قد هلكوا وعنّفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا ، وقالت قريش : قد إستحلّ محمّد وأصحابه الشهر الحرام فسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الأموال وأسروا فيه الرجال.
وقد توقّع اليهود لأجل هذه الحادثة بالمسلمين الشر ، فلمّا أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ( البقرة / ٢١٧ و ٢١٨ ).
والآية الثانية تحكي عن نزول المغفرة لعبد الله بن جحش وأصحابه وذلك لأجل أنّهم كانوا ذوو سابقة حسنة وبلاء محمود كما يشير إليه قوله : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
[١] أي يتحصّنون يالحرم.
[٢] المقصود هم المسلمون.
[٣] أي فر من بين أيديهم فلم يتمكنّوا من اللحاق به والقبض عليه.