مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٩٥ - حنكة النبي
بالإسلام علىٰ امتداد رقعته الشاسعة.
وبذلك تمكّنوا من الفتك والإجهاز علىٰ الإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف ، والتي تمكّنت من الظهور بالمسلمين كدولة عظمى في العالم لها سيادتها ، وثقلها في تقرير الأوضاع السياسية في العالم.
٣ ـ حنكة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في اجتياز الأزمة :في خضمّ ذلك الموقف الحرِج ، أمر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أن يؤذّن في الناس بالرحيل في ساعة لم يألفوا الرحيل فيها ، مع أنّ ابن اُبيّ أسرع بالمثول أمام يديه ، والتنكّر ممّا بدر منه ونسب إليه ، ولكن ذلك لم يؤثّر على قرار النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بالرحيل شيئاً ، بل انطلق بالناس يجوب الفيافي والقفار ، طيلة يومهم حتّى أمسوا ، وطيلة ليلتهم حتّى أصبحوا ، وصدر يومهم الثاني حتّى آذتهم الشمس ، فلمّا نزل الناس لم يلبثوا حتّى غلبهم النعاس ، ونسوا حديث ابن اُبيّ ، وهذا يعطي لكل قائد محنّك درساً من لزوم امتصاص ما انتاب نفوسهم من أفكار خاطئة ، واجتثاث جذورها بصرفها إلىٰ اُمور اُخرى ، تستولي علىٰ منافذ فكرهم ، فتشذَّ أذهانهم عنهم إلىٰ التشاغل باُمور اُخرىٰ ، ولو لم يقم بذلك لبقيت آثار تلك الرواسب الفكرية في أذهانهم ، ولأثرّت على مستقبل الدعوة ، ووحدة صف المسلمين.
٤ ـ سعة صدر النبي وتريّثه وتلبّثه :
لمّا أطلع زيد بن أرقم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ما قاله عبد الله بن اُبيّ ، صدّقه في نقله ، ولمّا مثل ابن اُبيّ بين يديه ، وأنكر ما أبلغه زيد بن أرقم ، فلم يكذّبه ، وربّما كانت هذا الظاهرة التي تمثّل بها النبي في ذلك الموقف ، أمراً مثيراً للتساؤل ، ولأجل ذلك انتهز المنافقون الفرصة لانتقاد النبي ، واتهامه بالتساهل والتواني في القضاء علىٰ خصومه ، ولكنّ المنافقين قد غفلوا عن أصل رصين ، واُسّ مكين تبتني عليه الحنكة القياديّة ، وقد قال امير المؤمنين عليهالسلام بهذا