مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦٥ - سعيهم للوقيعة بين الأنصار
عليه وآله وسلم ) فدعاهم إلى الإسلام ، فقالوا : أتريد منّا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم ؟ وقال رجل من أهل نجران : أو ذاك تريد منّا يا محمد ؟ وإليه تدعونا ؟ فقال رسول الله : معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره فما بذلك بعثني الله ولا أمرني. فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما : ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ) ( آل عمران / ٧٩ و ٨٠ ).
ومحصّل ما يستفاد من الآية إنّ البشر الذي آتاه الله تعالى الكتاب والحكم والنبوّة كائناً من كان ـ عيسى كان اُم محمد ـ إنّما يدعوكم إلى التلبّس بالإيمان واليقين بما في الكتاب الذي تعلّمونه وتدرسونه من اُصول المعارف الإلهيّة والإتّصاف بالملكات والأخلاق الفاضلة التي يشتمل عليها والعمل بالصالحات حتى تنقطعوا بذلك إلى ربّكم وتكونوا به علماء ربّانيين.
ثمّ إنّ الربّاني منسوب إلى الرب ، زيد عليه الألف والنون للدلالة على التفخيم كما يقال « لحياني » لكثير اللحية ونحو ذلك ، فمعنى الربّاني شديد الإختصاص بالرب وكثير الإشتغال بعبوديّته وعبادته [١].
١٣ ـ سعيهم للوقيعة بين الأنصار :نزل النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم مدينة يثرب فوجد الأوس والخزرج في شقاق ، فآخى بينهما وجعل الجميع صفّاً واحداً في وجه اليهود ، فشقّ ذلك على الكافرين فحاولوا جاهدين أن يشقّوا عرى وحدتهم بوسائل مختلفة ، فمرّ شاس بن قيس ـ وكان شيخاً عظيم الكفر ، شديد الضغن على المسلمين ، شديد
[١] السيرة النبوية : ج ١ ص ٥٥٤ ، الميزان : ج ٣ ص ٢٧٦.