مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٤٩ - هزيمة تلك الفكرة في مولدها ، اشتعال هذه الفكرة ونموّها في البلاد الإسلامية مؤخراً
٤ ـ اشتعال هذه الفكرة ونموها في البلاد الإسلامية مؤخّراً :
إنّ هذه الفكرة أخذت تنهزم في الغرب وتنسحب عن تلك الجوامع ، ولكنّنا نرى في الشرق دعاة إليها ، بجدّ وحماس فنرى هناك دعوة إلى القومية بأشكالها وألوانها المختلفة ، المتناسبة للظروف والملابسات المحيطة بالمناطق ، فالقومية في مصر عبارة عن الدعوة إلى الفرعونية ، وفي العراق إلى البابلية ، وفي سوريا إلى الآشورية ، وفي الاُردن إلى الرومانية ، وفي إيران إلى الجمشيدية وفي ماوراء النهر إلى جنكيزخان وزملائه العصاة الطغاة.
ما هذه الدمدمة والهمهمة في الأوساط الإسلامية ، وما هو الحافز والمحرك والدافع إلى إحياء تلك الفكرة فيها ، بعدما تقهقرت في موطنها وقُبرت في مولدها ؟ فياليتهم يدعون إلى القومية البسيطة التي دعا إليها الساسة الفرنسيون في القرن السادس عشر ، ولكنّهم أخذوا يدعون إلى القومية البغيضة الإلحادية حتى تصبح هذه الفكرة ذات مكانة خاصّة ، تغني حاملها عن الإيمان بالله ، والاعتناق بالإسلام ، وها نحن ننقل إليكم ـ يا أصحاب الفضيلة ـ كلمات من دعاة القومية في خصوص البلاد العربية ، فها هو ناصر الدين علي يقول في كتابه « قضية العرب » ص ٢٨ : إنّ العربية هو الدين الواقعي لكل عربي سليم مسلماً كان أو مسيحيّاً ، لأنّ القومية العربية كانت سائدة على تلك الاُمّة قبل أن تولد المسيحية والإسلام ، وقد أتت بأمثل الخلق وأعلاها في مجال الحياة.
نرى أنّ وسائل الاعلام العامّة تروّج هذه الفكرة ، فها هي مجلّة العالم العربي تكتب في عدد ١٩٥٩ : ـ يجب أن تحل الوحدة العربية المكان الذي حلّ فية الإيمان بالله الواحد.
ونقل أبو الحسن الندوي عن الكاتب القومي عمرو فاخوري : إنّ العرب لا يكونون قادرين على الثورة والتقدّم ، إلاّ إذا عدّوا العربية ديناً ، ويتمسّكوا بها كتمسّك المسلم بالقرآن ، والمسيحي بالإنجيل إلى غير ذلك.