مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٣٤ - كتاب صحابي إلى قريش
ثم إنّه سبحانه يستثني في هذه الآية شيئاً وهو : ( إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِن شَيْءٍ ).
وعندئذٍ يجري الكلام في التنبيه على ما هو المراد بالمستثنى منه فنقول : قد ورد قبل الاستثناء جملتان والاستثناء يرجع الى واحد منهما وهما عبارة عن.
١ ـ ( أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ ).
٢ ـ ( إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ ).
وارجاع الاستثناء إلى الجملة الاُولى بعيد عن السياق لأنّ معناه حينئذ : إنّ إبراهيم اُسوة في كل شيء إلاّ في هذا المورد ، وهذا لا يتناسب مع مقام نبوّته ، ومع قوله سبحانه في حقّه : ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ ) ( آل عمران / ٦٨ ).
فإذا كان إبراهيم أولى بأن يتبعه النبي الأكرم ، فكيف لا يكون اُسوة على الاطلاق.
على أنّ الآيات الكريمة الواردة في استغفار إبراهيم تعرب عن أنّ عدته بالاستغفار لأبيه كان عملاً حسناً وواقعاً في محلّه ، وذلك لأنّه وعده عندما يحتمل انّه سيعود إلى فطرته السليمة ، ويقطع أواصره بالوثنية قال سبحانه :
( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) ( التوبة / ١١٤ ).
وهذا يعرب عن أنّ الوعد إنّما كان في زمن كان يؤمل فيه منه الصلاح والرشد ، ولذلك لما استولى اليأس ، وفقد الأمل بتحقّق ذلك الأمر ، تبرّأ منه ، وعلى ذلك يتعيّن القول برجوع الاستثناء إلى الجملة التالية لأنّ مفادها انّ إبراهيم ومن كان معه تبرّأوا من جميع من كان يمت إليهم بصلة في قومهم ، مع انّ إبراهيم لم يتبرّأ من أبيه ، ولأجل ذلك جاء بالاستثناء ومعناه : إنّ إبراهيم وأتباعه قالوا لقومهم : إنّا برءآؤا منكم ، إلاّ إبراهيم ، فلم يتبرّأ من أبيه وهذا هو المستفاد من الآيات.