مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤١٢ - اعتذار المنافقين عن عدم الحضور
ثم إنّه سبحانه صرّح بالسبب الواقعي لتخلّفهم فقال : ( بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا ) ولأجل أنّهم قوم غير مؤمنين ، فسوف يعذّبون في السعير لقاء ما يرتكبونه في دنياهم ، فقال سبحانه ( وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا * وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ).
إنّ النبي لمّا عقد الصلح مع قريش ، وعد المؤمنين بالغنائم الكثيرة في المستقبل ( غنائم خيبر ) ولمّا وصل خبر ذلك إلى المنافقين ، طلبوا من المؤمنين المشاركة لهم في هذه السفرة كما ينص عليه قوله سبحانه : ( سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ).
والباعث لهم إلى الإصرار من المشاركة ، هو أنّ النبي الأكرم عندما وعد المؤمنين بالغنائم الكثيرة أخبر بعدم مشاركة غيرهم فيها ، فهؤلاء حاولوا بإصرارهم إبطال كلام الله ونبيّه كما يقول سبحانه : ( يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ اللهُ مِن قَبْلُ ).
ثم إنّهم لمّا سمعوا ذلك الجواب اتّهموا المؤمنين بأنهم يحسدونهم كما يحكي ذلك قوله سبحانه : ( فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ) ولكنّ الحق انّ اتّهام المؤمنين والنبي بهذه التهمة كلام من لا يعي ما يقول ، والرسول أجلّ من أن يستشعر حسداً تجاه أحد ، كما يقول سبحانه : ( بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ).
إنّه سبحانه وإن حرمهم من غنائم خيبر ولكنّه لسعة رحمته ، وعَدَهُم بأنّ المسلمين سيواجهون قوماً اُولي بأس شديد ، فإن شارك القاعدون منهم ، فإنّه سيكون لهم ما للمسلمين كما يقول :
( قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ( أى يقرّون بالإسلام ) فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ).