مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٠٩ - إبادة بني قريظة
وإن لم تسالمك بل عملت معك حرباً فحاصرها ، وإذا دفعها الربّ إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحدّ السيف ، وأمّا النساء والأطفال والبهائم وكلّ ما في المدينة كلّ غنيمتها فتغتنمها لنفسك » [١].
٤ ـ والّذي نتصوّره أنّ أكبر أسباب هذا الحكم هو أنّ سعد بن معاذ رأى باُمّ عينيه أنّ رسول الله عفا عن بني قينقاع ونزل على طلب الخزرجيين منه العفو منهم ، واكتفى من عقابهم بإخراجهم من المدينة ، ولكنّ تلك الزمرة ما غادرت أراضي الإسلام حتّى بدأت بالمشاغبة والمؤامرة الدنيئة ضد الإسلام ، فذهب كعب بن الأشرف إلى مكّة وأخذ يتباكى دجلاً وخداعاً على قتلى بدر ولم يفتأ عن تأليب قريش ضد الرسول ، وكانت نتيجة تلك المؤامرة وقعة اُحد الّتي استشهد فيها أزيد من سبعين صحابيّاً من خيرة أبناء الإسلام.
هكذا عفا الرسول عن بني النضير المتآمرين واكتفى من عقابهم بمجرّد الإجلاء ، ولكنّهم قابلوا هذا الموقف الإنساني بتأليب القبائل العربية ضد الإسلام ، حتّى أنّهم عقدوا إتّحاداً عسكريّاً فيما بينهم ، وكانت من أخطر المعارك على الإسلام لولا منّه سبحانه وحنكة رسوله وتضحيات أصحابه.
وقد أعطت هاتان الواقعتان للقاضي دروساً كافية ، فوقف على أنّ الإفراج عن بني قريظة ـ هذه الشرذمة الباغية والطغمة الظالمة ـ سوف يثير على المسلمين ما كانوا يجتنبون عنه ، فسوف يقومون باتّحاد عسكري أوسع ويؤلّبون العرب على الإسلام.
والّذي يكشف عن إخلاص ونواياه الحسنة أنّ قومه الأوسيين كانوا مصرّين على العفو عن بني قريظة والحنان لهم ، وكان الرئيس أحوج ما يكون إلى تأييد قومه ، وكانت مخالفتهم توجّه إليه أكبر ضربة ، ولكنّ القاضي الحر أدرك أنّ جميع هذه الشفاعات تخالف مصالح الآلاف من المسلمين ، فانطلق من منطق العقل ورفض رضا قومه فأخذ برضا الله.
[١] التوراة ، سفر التثنية الفصل العشرون / ١٠ ـ ١٤.